بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصـل الأول : العـقـيدة  و الغـيبـيات

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

العـين حقٌّ جزاء الصَّالحات  شعب الإيمان
عـلاج العـين بلوغ الدعـوة المحـمدية دين الفطرة
إبطـال مـزاعـم الجـاهلية عـمل المرء لنفسـه اجـتماع الأنبياء عـلى دينٍ واحـد
عـمل المرء لغـيره خاتم النبيِّين
إبطال مَـزاعِـم الجـاهلية ـ 1 إبطال مَـزاعِـم الجـاهلية ـ 2 إبطال مَـزاعِـم الجـاهلية ـ 3

11 ـ إبطال مَـزاعِـم الجـاهلية ـ 1

17 ـ عـن أبي هـريرة رضي الله عـنه يقول: قـال رسول الله  :] لا عـدْوى، و لا طِـيَرة، ولا هامة، و لا صَـفـر و فِـر من المجـذوم كما تَفِـر من الأسـد[. رواه الشيخان.

مجلة الأزهر، العدد الثاني، المجلد السادس عشر، سنة (1364- 1945)

رواه البخاري في كتاب الطب (5757) و اللفظ له. و مسلم في كتاب السلام (2209) بلفظ: (لا عدوى, ولا صفر, ولا هامة)، و زاد في طريق أخرى: (و لا طيرة).

المفردات:

العدوى: مُجاوزة المرض صاحبه إلى غيره. يقال: أعدى فلانٌ فلاناً، مِنْ خُلُقِه، أو من عِلَّةٍ به.

و الطِّيَرة: كعِنَبَة: التشاؤم. و تطيَّر بالشيء: تشاءم. و كانوا في الجاهلية إذا أرادوا المضيَّ لمهمٍّ كالسفر و الزواج، أثاروا الطير، فإن مرَّت باليمين تيامنوا، و إن مرَّت باليسار تشاءموا، ثم أُطلقت الطِّيَرَة على التشاؤم, و لو بغير الطيور.

و الهامَة: الرأس؛ و اسم طائر من طيور الليل، و هو المراد هنا، و كانوا يتشاءمون به. و قيل: هو البومة. و قيل: كانوا يزعمون أنَّ عظام القتيل ـ الذي لا يؤخذ بثأره ـ أو روحَه، تصيرُ هامةً, و لا تزال تصيح: اسقوني اسقوني, حتى يؤخذ بثأره، فتسكن حينئذ.

و صَفَر: قيل هو الشهر المعروف، و كانوا يتطـيَّرون به، فلا ينجزون فيه مهمَّة. و قيل: المراد به النَّسيء، و هو إحلال المحرَّم, وتأخيرُ حرمته إلى صفر، على ما بيَّناه.

و قيل: إنَّ الصَّفَر حيَّةٌ في البطن تلصق بالضلوع فتعضُّها، و ينشأ عن ذلك ما يشعر به الجائع من الألم، و أكبر الظنِّ أنه المراد هنا.

و المَجْذوم: هو المصاب بمرض الجذام، و هو داءٌ يحمرُّ به اللحم, ثم يتقطَّع و يتناثر. من الجَذْم, و هو القطع.

انتشار الخرافات و الأوهام:

كان الناس عامة، و العرب خاصَّة، في جهالةٍ جهلاء، و ضلالة عمياء؛ قد ركبوا رؤوسهم، و اتَّبعوا أهواءهم، و دانوا بما توارثوه سالفاً عن خالف، من أوزار الشرك و الآثام, و أثقال الخرافات و الأوهام؛ حتى أرسل الله رسولَه بالهدى و دين الحق، فطهَّر عقائدهم من أرجاسها، وحرَّر عقولَهم من أوهامها، و بيَّن لهم أنَّ ربَّهم الذي خلقهم هو الذي يضرُّ و ينفع، و يعطي و يمنع، و يُمرض و يشفي، ويُميت ويُحيي، لا رادَّ لمشيئته، و لا معقِّب لحكمه، و هو العليم الحكيم.

سبيل المؤمنين و نهج المتوكلين في ربط الأسباب بالمسبَّبات:

و لئن اقتضت حكمته تعالى أن يربطَ الأسباب بالمسبَّبات، و الوسائل بالغايات فإنْ كلُّ ذلك إلاَّ خاضعٌ لمشيئته، مقهورٌ تحت إرادته.

فالغلوُّ في الأسباب، و التكالبُ عليها، شعبةٌ من الشِّرك و الضلال؛ و إهمالُها رأساً، جهلٌ بسنَنِ الكبير المتعال.

و أمَّا أن يُجملَ العبد في الطلب، من غير تقصيرٍ و لا مغالاة، مع اعتقاده أنَّ الأمر كلَّه لله، فذلك سبيل المؤمنين، و نهج المتوكِّلين، وعماد هذا الدين المتين، الذي جاء في شأنه كلِّه قيِّماً وسطاً؛ لا إفراط و لا تفريط.

و على هذا المنهج الواضح، وطَّد صلوات الله و سلامه عليه معالم الهداية، و بدَّد ظلماتِ الغَوَاية، و قضى على مزاعم الجاهلية وتُرَّهاتها، و هو في حديثه هذا يقضي قضاءً مُبْرماً على طائفة من أُمهاتها.

اعتقاد أهل الجاهلية في العَدْوى:

فأما العدوى, فكانوا يضيفون التأثير إليها، و يعتقدون أنَّ اختلاطَ مريضٍ بصحيح مُوجبٌ للمرض إيجابَ الأسباب الضرورية لمسبباتها, والعلل العقلية لمعلولاتها, لا مفرَّ من ذلك و لا محيص عنه، جاهلين أنَّ المدار في الإصابة على مشيئة الله وحده، و أنَّ العدوى لا تعدوـ مهما بلغ أمرهاـ أن تكون سبباً عاديًّا كثيراً ما يتخلَّف، و كم من سليمٍ خالط مريضاً فلم يُصَب بأذى، و كم من مُتَصوِّنٍ حَذِرٍ جاءه المرض من حيث لايُحتسَب. و المشاهدة أصدق شاهد.

و إذا لم ينفِ النبيُّ العدوى نفسها، و إنما نفى وصفَها و تأثيرها على النَّحو الذي يزعمون؛ إبطالاً لزعمهم على أبلغ وجه وآكدِه.

و من فنون البلاغة أن تنفيَ وصف الشيء بنفي الشيء نفسِه؛ كأن تقول: لا رأيَ لهذا الرجل، و لا رجلَ في هذا البلد، حينما تقصد إلى نفس السَّداد في الرأي، و الشَّهامة في الرجال.

إثباته العدوى على الوجه الصحيح:

و لارَيْبَ أنَّ غلوَّهم في إضافة التأثير لغير الواحد القهار، مُخِلٌّ بعقيدة التوحيد التي بُني الإسلام عليها؛ فكان من حكمة سيِّد الحكماء أن يقضيَ على زعمهم الخاطئ بهذا البيان الرائع، و الكَلِمِ الجامع، و القول الفصل.

و من المحال أن يقصد صلوات الله و سلامه عليه إلى نفي العدوى جملةً, مع أنه أثبتها على وجهها الصحيح في غير ما حديث، بل أثبتها في هذا الحديث نفسِه؛ إذ أَمر بالفرار من المجذوم كفرارِ الخائف من الأسد؛ لأنَّ الجذامَ ـ وقانا الله و إياكم السوءـ من الأمراض التي جرت عادةُ الله تعالى بمجاوزتها إلى غير صاحبها، إذا سبق بذلك علمُه و مشيئتُه(1). و من المحال أن يتناقض حكيم في كلامه فَضْلاً عمَّن لا ينطق عن الهوى.

(1) جاء في فاتحة (المقتطف) لهذا الشهر (يناير، سنة 1945) أن الجذام ينكِبُ في المعمورة كلَّ عام ثلاثة ملايين إلى خمسة، و أنه اكتسح أوربة في القرون الوسطى حتى أُعِدَّ له عشرون ألف ملجأ وقتئذ. و أنَّ الأطباء لا يألون جُهداً في تركيب عقار يقضي على السلِّ و الجذام، و لعلَّهم عند منعطف الطريق. (طه).

التوفيق بين الأحاديث التي تُثبت العدوى والتي تنفيها:

و على هذا البيان الذي بَيَّنَّا، يسهل التوفيق بين الأحاديث التي تُثبت العدوى كما يثبتها الطبُّ و الواقع، و بين الأحاديث التي تنفيها على ما تزعم الجاهلية الأولى.

و إذا لم يكن بدٌّ من إيراد بعض الشواهد، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال : ]لا يوردنَّ مُمْرض على مُصِحّ[. أخرجه البخاري (5771), و مسلم (2221).

و المُمْرض: صاحب الإبل المريضة، و المُصِح: صاحب الإبل الصحيحة. و لا معنى للنهي عن خلط الإبل السليمة بالسقيمة, إلا التحذير من العدوى.

وروى الشيخان كذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ عمر خرج إلى الشام،حتى إذا كان بِسَرْغَ(2) لقِيَه أهلُ الأجناد(3) أبو عُبيدة بن الجراح، و أصحابه فأخبروه أنَّ الوباء قد وقع بالشام, فقال عمر لابن عباس: اُدْع لي المهاجرين الأوَّلين، فدعوتُهم, فاستشارهم, فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمرٍ, ولا نرى أن ترجع عنه، و قال بعضهم: معك بقية الناس و أصحاب رسول الله ، و لا نرى أن تُقدِمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: اُدْعُ لي الأنصار, فدعوتهم له, فاسْتَشارهم فَسَلَكوا سبيل المهاجرين في الاختلاف, فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: اُدْعُ لي مَنْ كان هنا من مَشْيَخَة قريش من مُهَاجرة الفتح، فدعوتُهم, فلم يختلف عليه رجلان, فقالوا: نرى أن نرجع بالناس و لا نُقدِمهم على هذا الوباء.

فنادى عمر في الناس: إني مُصْبحٌ على ظهر(4) فأصبِحوا عليه. فقال أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟!ـ و كان عمر يكره خلافه ـ نعم، نفرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كان لك إبلٌ فهبطت وادياً, له عُدْوتان(5)، إحداهما خِصْبة و الأخرى جَدْبة، أليس إنْ رَعَيْتَ الخِصْبة رعيتَها بقَدَر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟!.

قال: فجاء عبدُالرحمن بن عوف ـ و كان متغيِّباً في بعض حاجته ـ فقال: إنَّ عندي من هذا عِلماً؛ سمعت رسول الله يقول: ]إذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تَقدَموا عليه، و إذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فِراراً منه[.  قال: فحمد الله عمرُ بن الخطاب, ثم انصرف(6).

(2) بالصَّرف وعدمه، قرية في طرق الشام ممَّا يلي الحجاز (طه).

(3) أي أمراء الأجناد كما في رواية أخرى،  وكانوا خمسة (طه).

(4) أي: مسافر راكب على ظهر الراحلة.

(5) عُِدْوة الوادي، بضم العين وكسرها: شاطئه.

(6) أخرجه البخاري(5729), ومسلم (2219) يعنون تفقد أحوال الرعية.

أدب الاختلاف و حكمة عمر:

و إنَّما سقنا هذه الرواية برمَّتها، لأنَّها مثالٌ من أمثلة اختلاف الصحابة رضي الله عنهم، في جدالهم بالتي هي أحسن، وترجمةٌ صادقة لحكمة عمر و إصابته وجهَ الحقِّ، مع حَلِّه لمشكلةٍ من المشكلات التي يقف عندها الراسخون في العلم حَيَارى.

ثم ليعلمَ الجاهلون أنَّ الطبَّ في أزهى عصوره، بل العلمَ في أوْج رفعته، مُصَدِّقٌ لما سبق به الصَّادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه(7).

أدلة نفي العدوى:

و أما الشواهد على نفي العدوى، فمنها ـ عدا حديثنا هذا ـ ما جاء في الصحيحين، أنَّ أعرابياً قال: يا رسول الله فما بالُ الإبل تكون في الرَّمل كالظِّباء ـ يعني نشاطاً و قوةً وسلامة ـ فيدخلُ بينهما البعيرُ الأجْرب فيُجربها؟! فقال : ]فَمَنْ أعدى الأول[؟!(8).

جواب في غاية الإبداع و الإقناع، ينطوي على أنَّ السبب الحقيقي هو مشيئة الله عز و جل.

و منها: ما رواه الترمذي و غيره أنه أكل مع مجذومٍ، و قال:(9)]ثقةً بالله وتوكّلاً عليه[

و هذه كلمةٌ فاصلةٌ في هذا الموضوع الذي اشتبكت فروعه، و شْتَجَرت آراء الناس فيه.

فإذا جاء الأمر بالفرار من المجذوم و نحوه كما سَلَف، و كما روى مسلم أنه أرسل إلى مجذوم كان في وفد ثقيف؛ (10)]إنا قد بايعناك فارجع[, فذلك للحيطة و احترام الأسباب؛ وإذا جاءت العزيمةُ بمخالطة المرضى؛ فتلك ثقة المتوكلين على ربِّ الأرباب.

الثقة بالله و التوكل عليه:

ألا فلْيشهدِ العالم أنَّ الإيمان الصَّادقَ ـ و عمادُهُ الثقة بالله، والتوكُّل على الله ـ أساسُ ما جاء به أوّلُ المؤمنين، و قدوة المتوكِّلين؛ وأنَّ المؤمن القويَّ خيرٌ و أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، و إن كان في كلٍّ خير.

(7) و في الحديث فوائد جمَّة، منها الإشارة إلى الحَجْر الصحي الذي يهتمُّ به الطب الحديث، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول فيه.(طه).

(8) أخرجه البخاري (5775), ومسلم (2220).

(9) أخرجه أبو داود (3925), والترمذي (1817), وقال: هذا حديث غريب, وابن ماجه (3542), وابن حبان (6120) وإسناده ضعيف, لضعف المفضّل بن فضالة القرشي.

(10) أخرجه مسلم (2231)، والنسائي (4182), و ابن ماجه(3544).

أثر العزيمة و قوة الإرادة في القضاء على الأمراض:

و قد أجمع علماءُ النفس و الطب على أنَّ حدَّة العزيمة و قوة الإرادة، من أمضى الأسلحة التي تتغلَّب على جراثيم المرض، بل من أمنع الحصون التي تعجزُ هذه الجراثيم عن اختراقِها؛ كما أجمعوا على أنَّ من العواملِ التي تُهيئ الجسم للعدوى، التعبُ، و البردُ، والجوعُ، وتعاطي المخدّرِ، و المُسْكرِ، و أنَّ من أعظمها: ضعف العزيمة و خور النفس، و انقيادها للوساوس و الأوهام.

و لولا أن منَّ الله على بعض عباده بقوَّةِ الإيمان و اليقين، و مَضَاءِ العزم و الثقة، لَهلك المرضى، و اضْطَرب الأصحَّاء، ولتقطَّعت الأرحام، و عمَّ الكون الظلامُ، و تساوى الناس و الأنعام.

* * * * *

إبطال مَـزاعِـم الجـاهلية ـ 2                                                                                   أعلي الصفحة

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجـة و محـفوظة