بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصـل الأول : العـقـيدة  و الغـيبـيات

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

العـين حقٌّ جزاء الصَّالحات  شعب الإيمان
عـلاج العـين بلوغ الدعـوة المحـمدية دين الفطرة
إبطـال مـزاعـم الجـاهلية عـمل المرء لنفسـه اجـتماع الأنبياء عـلى دينٍ واحـد
عـمل المرء لغـيره خاتم النبيِّين

1 ـ شُعَـب الإيمان

1 ـ عـن أبي هـريرة رضي الله عـنه قـال: قـال رسول الله : ]الإيمانُ بِضعٌ و سـبعون ـ أوبِضعٌ و سِتُّون ـ  شـعبة، فأفضـلها قـول: لا إله إلا الله، و أدناها إماطةُ الأذى عـن الطَّريق؛ والحياءُ شـعبة من الإيمان[. رواه الشيخان و اللفظ لمسلم.

مجلة الأزهـر، العدد الثاني, المجلد الخامس و العشرون (1373هـ)

 أخرجه البخاري (9), و مسلم (35) و كلاهما في الإيمان

زاحمني في الكتابة على هذا الحديث رئيسُ تحرير هذه المجلة في جزئها السابق؛ فبينما أنا ماضٍ في إعداد العُدَّة لشرحه، و وَقفِ النظر والفكر والجهد له, طلعت علينا المجلة بمقالته المؤمنة الصادقة الخيِّرة.. فما أن قرأتُها حتى أزمعتُ الكتابة في حديثٍ غيره.. بَيْد أنه ـ و قد عتبتُ عليه في هذه المزاحمة ـ أقنعني بالمُضيِّ في تبيان هذا الحديث الجامع، الذي يُعَـد بحقٍّ أساساً للدين كلِّه فرائضِه و شرائعه، و حدودِه و سننِه ؛ و ينبوعاً قوياً فياضاً لبيان رسول الله وهديه(1).

(1) و لجلالة شأن هذا الحديث صنَّف العلماء في شرحه و تعيين شعبه كُتباً كثيرة, ومنها: كتاب (شعبُ الإيمان) للحافظ الفقيه أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفَّى سـنة 458 ألَّفه في ستِّ مجلَّداتٍ؛ ثمَّ اختصره أبو جعفر عمر القزويني المتوفى سنة 699 وطبع المختصر مرتين بالمطبعة المنيرية (طه).

المنهاج النبويُّ في التربية:

أنزل الله إلى نبيِّه الذكر ليبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، و قد فعل؛ فبيَّن لهم، و علَّمهم كلَّ ما يحتاجون إليه ممَّا فيه سعادتُهم ومجْدُهم وارتفاع  درجاتهم في الدنيا و الآخرة. لم يَدَع شأناً من شؤون العقائد و العبادات و المعاملات و الأخلاق و البرِّ و التُّقى في الحِلِّ و التَّرحال، والمطْعَم والمشْرب والملبس و المنكح، و النوم و اليقظة، و الاجتماع و الانفراد، حتى دخول الخلاء و الخروج منه, إلا بيَّنه بياناً شافياً … فكان من بيانه وهديه هذا المنهاج المنير، و تلك التربية القوية المُثْلى الصَّالحة لكلِّ زمان ومكان، و لكلِّ جيل و قبيل، تلك التي لو اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثلها، لا يأتون بمثلها, و لو كان بعضُهم لبعض ظهيراً.

و كانت طريقتُه في هذا المنهاج أمثلَ طرائق التعليم و التربية، ممَّا يدع المعلمين و المربِّين مشدوهين متسائلين حَيارى: أنَّى لهذا الأمي تلك الطريقة العجيبة في التقويم والتربية؟!.

نعم، إنه لم يتلقَّ علماً من بشر، و لم يجلس ـ حياته ـ بين يَدَي مُرَبٍّ و لا معلِّم, و لكن علَّمه العليم الخبير الذي وَسِع كلَّ شيء علماً, وجلس بين يدي الرُّوح الأمين، بأمر ربِّ العالمين، حتى أتمَّ هذا المنهاج الذي أعجز الأوَّلين والآخرين أن يأتوا بمثله، أو أن يجدوا سعادتهم ـ حتى الدنيوية منها ـ في غيره!!.

 البيان الإجمالي والتفصيلي:

و من منهاج هذه الطريقة المُثلى: أن يحدِّث أصحابه بمثل هذا الحديث الجامع، ثم يفصِّله بعض التفصيل بمثل حديث جبريل في سؤاله عن الإسلام والإيمان، و الإحسان، ثمَّ عن الساعة.. فيجيبه صلوات الله وسلامه عليه بأمَّهات هذه الشعب البضع و السبعين.. ثم يقول لهم:  ]هذا جبريلُ عليه السلام أتاكم يعلِّمكم دينكم[ (أخرجه مسلم).

 أمُّ السنة:

و حديث جبريل من الشُّهرة بالمكان الذي لا يجهلُه أحدٌ، و قد جمع وظائف العبادات الظاهرة و الباطنة: من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، و التحفُّظ في الأعمال، حتى سُمِّي ـ بحقٍّ ـ أم السنة، كما سُمِّيت الفاتحة بأمِّ الكتاب.

ثمَّ يفصِّل حديثَ جبريل و يبسطه، في هديه وتعليمه و إرشاده، و شرحه لهذه الشعب في مختلف المقامات و المناسبات.

حَصْر الشُّعب وتحديدها:

و قد جَدَّ كثير من العلماء وتكلَّفوا حَصْر هذه الشُّعب و تحديدها … و لخَّصها صاحب (الفتح) في تسع و ستين خَصلة طباقاً لإحدى روايتي الحديث، ثم قال: و يمكن عدُّها تسعاً و سبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضمَّ بعضه إلى بعض (الفتح1: 68, 69).. أيريد بهذا مطابقةَ الخصال للرواية الثانية. و كلتا الروايتين واردة في الصحيح؟!

و لا تخرج هذه الشعب ـ كما قال صاحب (الفتح) ـ عن أعمال القلب، و أعمال اللسان، و أعمال البدن؛

فأعمال القلب: المعتقدات و النيَّات، و تشتمل على أربعٍ و عشرين خصلة، أعلاها إيمانٌ بالله و توحيده و تنزيهه؛ و أنه ليس كمثله شيء.. وعن التوحيد يصدر كلُّ خير.

و أعمال اللسان: سبع منها: الدعاء, و الذكر, و الاستغفار, و اجتناب اللَّغو.

و أعمال البدن: ثمان و ثلاثون، منها التطهير حسًّا و حكماً، و منها: إطعام الطعام، و إكرام الضيف، و منها: تربية الأولاد، و صِلة الرحم، ومنها: ردُّ السلام, و تشميت العاطس, و كفُّ الأذى عن الناس، و اجتناب اللَّهو، و إماطة الأذى عن الطريق.

 من عجائب التربية النبوية:

و أيّاً ما كان الأمر, فقد اكتفى النبيُّ بذكر أفضلها و أعلاها، و أيسرها و أدناها، ثم بذكر شعبةٍ من أمَّهاتها تبعث عليها و تيسِّر الطريق لها. وهذا الإجمال من عجائب التربية النبوية؛ فإنه صلوات الله وسلامه عليه لو فصَّل الشُّعب وعدَّها، و هو قادرٌ على عدِّها، لَشقَّ على أمته، ولسدَّ عليهم طريق الاجتهاد فيها، و لَوَقَفُوا عند الذي عدَّه وفصَّله، مع أنَّ كثيراً منها يُراد منه نوعُه ومثيله، لا عينه و ذاته، ويتجلَّى ذلك في نوافل الخير و أعمال البرّ, و هي كثيرةٌ لا تحصى، كما يتبيَّن في آفاتٍ من الشرِّ لم تكن معروفةً في عهده ، فتفصيل هذه الشعب- فضلاً عما فيه من الإضْجَار و الإملال- يوقعُ في َحْيرةٍ لا فكاك منها! ثمَّ في اختلاف لا رحمةَ فيه، و لا ثمرة منه!.

 مفتاح شُعَب الإيمان:

بدأ بمفتاح هذه الشُّعب التي لا يقبل شيءٌ منها إلاَّ به، و هو كلمة التوحيد, و ليس المراد مجرَّد النُّطق بها، و إلاَّ كان المنافقون وكثيرٌ من الكافرين, من أهل الإيمان … إنما المراد النطق المُنْبعث عن الإيمان بالله و ربوبيَّته، و الطُّمأنينة، التي لا تَشُوبها شائبةُ ريبة في وحدانيته، الإيمان الذي خالطت بشاشتُه القلوب، و َمَلأت حلاوتُه النفوس، فطربت الألسنة بالشهادة الخالصة، و تحرَّكت الجوارح بالأعمال الصالحة.

و نظير هذا، قولُه لسفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه حينما قال له: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: ]قل: آمنت بالله، ثم استقم[ أخرجه مسلم (38).

لم يقل له: آمن بالله؛ لأن الإيمان بالله ـ وإن كان أساسه التصديق الذي لا شكَّ فيه ـ يتفاوت بحسب مراتب اليقين والطمأنينة، ومَحَالٌ أن تكون مرتبة عوام المؤمنين، كمرتبة النبِّيين والصِّدِّيقين، ولا شكَّ أنَّ النبيَّ  يريد هنا الإيمان الكامل، الذي يفيض على اللسان, فينطق بكلمته صادقاً موقناً، ثم يفيض على الجوارح, فتعمل الصَّالحات راضيةً مطمئنةً، و هذا شأن المؤمنين الصادقين، ]الذين قالوا: ربُّنا الله، ثمَّ استقاموا[.

 أدنى مراتب شُعَب الإيمان:

و اكتفى صلوات الله و سلامه عليه بذكر إماطة الأذى عن الطريق؛ ليبيِّن أنَّ إزالة الضَّرر عن المارَّة كبيراً كان أوصغيراً، ولو غُصْن شوك، من شُعَب الإيمان التي لا ينبغي الاستهانةُ بها؛ فقد يكون فيها رضا الله عزَّ وجل.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال:]بينما رجل يمشي بطريق, وجد غصن شوك على الطريق, فأخَّره، فشكر الله له فغفر له[؛ (2) ثم ليبيِّن أنَّ هذه الشُّعب على مراتب مختلفة، و درجات متفاوتة، لكنَّ الذي يقدِّرها، ويُحصي ثوابها هو الله عز وجل.  (2) (أخرجه البخاري (652), و مسلم (1914))

 مكانة الحياء من شعب الإيمان:

و ختم الحديث صلوات الله عليه بشعبةٍ من أمَّهات الشُّعب و أجلِّها، و هي الحياء.

و إنما اختاره  ختاماً؛ لأنه يحضُّ على الشُّعب جميعها, و يتّجه بصاحبه وِجْهَة الخير و الاستقامة،  ثمَّ هو حِلْية الأخلاق وزينتها، وماء الحيوية الذي يترقرق فيها(3), بل هو خُلق هذه الحنيفيَّة السَّمْحة، كما روى مالك عن زيد بن طلحة بن رُكانَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (4)]إنَّ لكلِّ دينٍ خُلُقاً، وخُلُق الإسلام الَحَياء[  

 فكأنه  يشير بهذا الختام العجيب إلى أنَّ الحياء مُهَيْمنٌ على هذه الشُّعب و مُسَيْطرٌ عليها، فلن يُقْبل منها، أو لن يكون واقعاً موقع الكمال والرِّضا إلاَّ ما اتَّسم بسيما الحياء، فمن هنا يخرج المنافقون و المراؤون و الكذَّابون الذين يتظاهرون بعمل الصَّالحات, و هم عنها مُبْعدون.

 الحياء الشرعي المحمود:

و من هنا يَسْتبين لمن تأمَّل، أنَّ المراد الحياء الشرعي المحمود الذي يبعث على اجتناب القبيح, و يمنع من التقصير في حقِّ ذي الحق.

و أما الحياء الذي يحمل صاحبه على الإخلال بالحقوق والتقصير في الواجبات، فليس حياءً في حقيقة الأمر، وإنَّما هو عَجْزٌ ومَهَانةٌ وخَوَر، وإن سُمِّي بالحياء مَجَازاً, لمشابهته له؛ و ليس هذا مراداً في الحديث البتَّة، كما أنه ليس المراد الحياء الغَرَزي, و إنما المراد الحياء المكتسب الذي يستعمله صاحبه على قانون الشرع، لا يختلف عنه.

 الحياء من الحياة:

قال العلماء: و الحياء مشتقٌّ من الحياة، فهو من قوَّة الحِسِّ و لطفه، وعلى حسب حياة القلب, و لُطف الحسِّ يكون الحياء قوةً وضعفاً.

و ذكر الماورديُّ في(أدب الدنيا والدين) أنَّ الحياء في الإنسان قد يكون على ثلاثة أوجه: حياؤه من الله تعالى, و حياؤه من الناس, وحياؤه من نفسه.. وبيَّنها كلها, ثم قال: فمتى كمُل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة, فقد كملت فيه أسباب الخير، و انتفت عنه أسباب الشرِّ، وصار بالفَضْل مشهوراً، و بالجميل مذكوراً  (أدب الدنيا و الدين ص181- 182).

و أما ابن القيم في (مدارج السالكين) فقد ذهب ـ و لله درُّه ـ إلى أنَّ الحياء عشرة أوجه(5)، ثم فصَّلها تفصيلاً ... و قد نعرض لها كلها أوبعضها لمناسبة (الحياء النبوي), الذي نرجو أن يكون موضوع حديثنا في الجزء الآتي بمشيئة الله تعالى ومعونته وتوفيقه(6).

* * * * *

(3) تلميح و اقتباس من المقالة التي أشرنا إليها أولاً (طه).

(4) رواه مالك في الموطأ 2: 905،  و رواه ابن ماجَه (4181) و غيره عن أنس مرفوعاً، و رواه أيضاً من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: قال رسول الله  فذكره.

(5) مدارج السالكين 2 :261-263)

(6) انظره في (الحياء النبويِّ).

أعلي الصفحة

 

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجـة و محـفوظة