بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصـل الأول : العـقـيدة  و الغـيبـيات

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

 
العـين حقٌّ جزاء الصَّالحات  شعب الإيمان
عـلاج العـين بلوغ الدعـوة المحـمدية دين الفطرة
إبطـال مـزاعـم الجـاهلية عـمل المرء لنفسـه اجـتماع الأنبياء عـلى دينٍ واحـد
عـمل المرء لغـيره خاتم النبيِّين

2 - دين الفطـرة

2 ـ عـن أبي هـريرة رضي الله عـنه، قـال: قـال رسول الله : ]كلُّ مولود يولد عـلى الفطرة؛ فأبـواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمَجِّسانه؛ كَمَثَلِ البهيمَة تُنتَجُ البهيمَةَ، هـل ترى فيها جَدْعاء؟[ رواه الشيخان.

 مجلة الأزهر، العدد الثامن، المجلد الرابع عشر، شعبان (5) (1362 هـ)

 أخرجه البخاري (1385) في الجنائز,  و مسلم (2658) في القدر

ليس بِدْعاً من الأمر أن نتصرَّف في اختيار الأحاديث النبويَّة، تِبعاً لتصرُّفِه صلوات الله و سلامه عليه، في ضروبِ العلم و الحكمة، وفنونِ التزكية و الهداية؛ فقد آتاه الله الكتاب و مثلَه معه، و جَمَعَ له فيهما, من علوم الأوَّلين و الآخرين, ما يكفل بعضُه السعادة العليا للناس أجمعين: ﴿و َأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ( النساء 113).

 المفردات:

الفِطْرة: أصل الفِطرة الشقّ، ثم أُطلق على الابتداء و الاختراع؛ و الفطرة: هيئة الخلق و حاله. و المراد بها في الحديث: ما فطر الله عليه الخلق, من معرفته والإقرار به.

يُهَوِّدانه؛ أو يُنَصِّرانه، أو يمجِّسانه: أي يَجْعلانه يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، بالتعليم و التلقين.

و اليهود: مِن هادَ الرجل, إذا رجع و تاب، و إنَّما لزمهم هذا الاسم لقولهم لموسى عليه السلام: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ (سورة الأعراف: 156).

و النَّصارى: أُمَّة المسيح ابن مريم عليه السلام؛ سُمُّوا بذلك لأنّهم نصروه أو نصر بعضُهم بعضاً. و قال الجوهري: أُخِذَت هذه التسمية من قرية (ناصرة) التي أقام بها عيسى عليه السلام.

و المجوس: قومٌ يعبدون الشمس و القمر و النار، و اقتصر بعضُهم على وصفهم بعبادة الشمس و القمر، و آخرون على وصفهم بعبادة النار. و هم طوائف، يُثبتون أصْلَين اثنين مدبِّرين قديمَيْن، يقْتَسِمَان الخير و الشر؛ يسمّون أحدهما النور، و الآخر الظلمة.

البهيمة: هي كلّ ذات أربع قوائم ولو في الماء؛ أو كلّ حي لا يميِّز.

تُنتَج: يقال نَتِجَت الناقة, فهي منتوجة, وأنتجت فهي مُنتجة، إذا وَضَعَت.

جَدْعاء: جدع الأنف قطعه؛ و كذا الأذن، و اليدَ، و الشفة، وَ جُدِعَ البعير: قُطع فهو أجدع, و جُدِعَت الناقة فهي جدعاء.

* * * * *

معرفة الله و توحيده:

فطر الله الناس جميعاً على معرفته و توحيده و دينه الحق، و أعدَّهم لقَبوله؛ فما يُولد مولود إلا و هو مُستعدٌّ لهذا الدين الحنيف حتى لو تُرك و شأنه, لما ابتغى غير الإسلام ديناً؛ ذلك بأنه مُجَاوبٌ للعقل السليم، مُسَاوقٌ للنظر المستقيم، مُشَاكِلٌ للطبائع النقيَّة و النفوس الزكيَّة التي كُتب لها أن ترقى في مراقي الكمال، و يصدِّقُ هذا قولُ الله جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ و َلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (سورة الروم: 30).

المراد بولادة المولود على الفطرة:

وَ جَليٌّ أن ليس المراد بولادة الطفل على الفطرة, أنه حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين الحق، إنما المراد أنَّ كلَّ مولود فإنه يولد على محبَّته لفاطِره, و إقراره له بالربوبية, حتى إذا خُلّي و نفسه لم يعدل عن الإسلام إلى غيره؛ و ذلك كما يولد على محبته لما يلائمه من الأغذية و الأشربة، و على اهتدائه إلى ما ينفعه و دفع ما يضره.

لم اقتصر على الأبوين في إضلال الطفل؟

و لا يزال الطفل نزَّاعاً إلى الخير، سائراً في طريق الهدى حتى يصلَ إلى الكمال المُقَدَّرِ له، ما لم تُصبه القوارع، و تصرفه عن الحق الصَّوارف؛ من ولِيٍّ يُضلّه، أو بيئةٍ تفسده، أو شيطانٍ من شياطين الإنس و الجنِّ يستهويه, فيهلكه.

و إنما اقتصر على الأبوين في إضلال الطفل و إفساد فطرته ـ بالتهويد و التنصير و التمجيس ـ؛ لأنهما أسبق الناس إلى رعايته والقيام عليه.

من روائع التشبيه:

و من روائع التشبيه أن يمثِّل النبيُّ الطفل المسكين ـ و قد جنى عليه أبواه هذه الجناية النكراء ـ بالبهيمة؛ ينتجها أهلها تامَّة الخَلْق، ثم يَعدون عليها. فَيَجْدَعُونها, و يُغيِّرون خِلْقَتَها.

العبرة بالإيمان الشرعي:

و لا يعزبنَّ عن الفؤاد أنه لا عبرةَ بهذا الإيمان الفطري في أحكام الشريعة الغرّاء، و إنما العبرة بالإيمان الشرعي المكسوب بالنظر والاختيار؛ و لهذا توارث الكفار و أبناؤهم الذين لم يبلغوا الحلم؛ لأنهم ـ و إن أسلموا إسلاماً فِطرياً ـ لم يسلموا إسلاماً شرعياً يُعتدُّ به.

السرُّ في إسلام الكثير من الأجانب:

و لقوَّة هذا الدين و متانته لا نزال نلمس سلطانَه على النفوس ـ و إن تبدَّلت ـ أثراً ظاهراً؛ و لعلّ هذا هو السرُّ في إسلام الكثير من الأجانب عنه، رجوعاً إلى فطرتهم الأولى، على حين لا يرتدُّ سخطةً لدينه من خالطت بَشَاشة الإسلام قلبَه.

هل جميع الأطفال وُلدوا على الفطرة؟

و بعد؛ فهل العموم المستفاد من القضية الكليَّة مرادٌ في الحديث؟ و بعبارة أوضح: أولاد آدم كلهم هُيِّئوا للإسلام و أُعِدُّوا له؛ لم يشذَّ منهم أحد، أم أنّ فيهم من وُلد غير قابل له؟ سؤالٌ مهمٌ، لا ينبغي أن نجاوز هذا المكان قبل أن نجيب عنه.

لقد ذهب إلى الرأي الأول أكثر العلماء؛ و لكنَّ الذي يطمئن له القلب، و يشهد به الحسّ، و تعضده دلائل النقل و العقل، هو الرأي الثاني؛ وأنَّ من بني آدم من ولد مطبوعاً على الكفر، نائياً عن الحقِّ غير مُهيَّأٍ له، و لكنه شاذ نادر لا يضر عموم الحكم في شيء، على أنَّ صيغة (كل) تُستعمل أحياناً بمعنى الكثير الغالب.

و بهذا التأويل اليسير نُجيب عن مثل غلام الخضر, الذي جاء في مسلم (1) "أنه طُبع على الكفر، و لو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفرا"ً, و بهذا التأويل نقضي على شبهاتٍ ثائرة، و هواجس مُتَردِّدة حائرة، و سبحان من لا يُسأل عن ما يفعل؛ و مَنْ لو شاء لآتى كلَّ نفس هُداها. (1)(خرجه مسلم (2661) في كتاب القدر).

تحديد المراد بالفطرة:

أجملنا القول في المراد بالفطرة, ثم أحببنا أن نفصِّله هنا بعض التفصيل؛ إذ أنَّ الفطرة هي أساس البحث في علوم النفس والتربية، والأخلاق و الاجتماع.

اختلف العلماء في تحديد المراد بالفطرة، وأشهرُ الأقوال و أصحُّها ـ و هو الذي اعتمدنا عليه في معنى الحديث ـ أنَّ المراد بها الإسلام.

قال ابن عبدُ البَر: إنه المعروفُ عند عامة السَّلف، و أجمع أهلُ العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا(2) الإسلام، و احتجُّوا بقول أبي هريرة في بعض روايات الحديث: اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الآية. و قد قدَّمنا أنَّ معنى ولادةِ الطفل على الإسلام: استعداده له، فلسنا إذاً بحاجة إلى أن نعدَّ هذا رأياً ثانياً.  (2)(سورة الروم: 30).

و ذهب قومٌ إلى أنَّ المراد بالفطرة: العهد الذي أخذه الله تعالى من بني آدم حين أشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (سورة الأعراف: 172).

و الحقُّ أنَّ هذا ـ كما قال صاحب (الكشاف)(3) ـ من قبيل التمثيل والتصوير، و معناه: أنه نَصَبَ لهم الأدلة على ربوبيَّتِه و وحدانيَّتهِ، حتى شَهِدَت أبصارُهم و بصائرهم، و ميَّزت بين الضلال و الهدى، و الحق و الباطل، فكأنَّه أشهدهم على أنفسهم، و كأنهم قالوا: بلى؛ وهذا القول قريب من سابقه. (3)( الكشاف، للزمخشري 2: 176).

و رجَّح ابن عبدُ البر أن المراد بالفطرة: الخِلقة، أي: يولد سليماً لا يعرف كفراً و لا إنكاراً، ثمَّ يعتقد إذا بلغ الحُلُم.

و قال ابن المبارك: إنَّ المراد أنه يولد على ما يصير إليه من شقاوةٍ أو سعادة، فكأنه أوّل الفطرة بالعلم، و هو مردودٌ بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله: (فأبواه يهوِّدانه. . .) معنى؛ لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها(4).

(4) بقيت آراء أخرى في (شفاء العليل) لابن القيم, و في كتاب الجنائز، من (فتح الباري) لم نجد حاجة إلى ذكرها (طه).

نزعات الفطرة و اتِّجاهاتها:

و كما اختلف العلماء في معنى الفطرة، اختلفَ المربُّون في نزعاتها و اتجاهها؛ فمنهم من ذهب إلى أنها خيرٌ محض، و منهم من ذهب إلى أنها شرٌّ محض، و منهم من رأى استعدادها للخير و الشر جميعاً، و منهم من رأى خلوَّها منهما جميعاً.

والذي يشير إليه الحديث ـ و هو ما رجَّحناه من قبل ـ أنَّ النفوس في جبلَّتها إلى الخير أمْيَل، ما لم تعرضْ لها الآفات وتصرفْها الصوارف(5).

قبول النفوس للتغيير و التهذيب:

و في قوله: (فأبواه يُهَوِّدانه.. إلخ) دليلٌ على قَبول الفطرة للتغيير و التهذيب، و استعداد النفوس للتعليم و التأديب، خلافاً لمن قاس الخُلُقَ على الخَلْق، و الصورةَ الباطنة على الصورة الظاهرة، و زعم أنَّ الأخلاق لا يُتصوَّر تغييرها البتة. و قد عقد الغزالي لتغيير الأخلاق بالرياضة فصلاً ممتعاً في كتاب رياضة النفس من (الإحياء)؛ لم يدع مقالاً لقائل(6).

(5)  للأستاذ الكبير محمد فريد وجدي صفحات ممتعة, في تقسيم الفطر و استعداد النفوس للعقيدة السليمة, أو عدم استعدادها, من كتاب (الإسلام في عصر العلم) (طه)

(6)  إحياء علوم الدين 3: 56 بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة.

حكم من مات من غير أطفال المسلمين:

و من هنا رجَّح المحقِّقون من العلماء نجاةَ مَنْ مات من أطفال غير المسلمين, خلافاً لمن قال: هم مُلحقون بآبائهم, و خلافاً لمن توقَّف في شأنهم.

سبب ورود الحديث:

و إذا كان سبب ورود الحديث مُرجِّحاً للمراد ـ إن لم يكن نصًّا فيه ـ فقد روى الإمام أحمد وغيره في سبب هذا الحديث أنَّ النَّبيَّ بعث سرَّيةً, فأفضى بهم القتل إلى الذرِّيَّة, فقال لهم: (ما حملكم على قتل الذرِّيَّة؟) قالوا: يا رسول الله! أليسوا أولاد المشركين؟ قال: (أَوَليس خياركم أولاد المشركين؟) ثمَّ قام النبيُّ خطيباً, فقال: (ألا إنَّ كل مولودٍ يولد على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها)(7).

فهذا دليلٌ على أنهم ولدوا غير كفار, ثم طرأ عليهم الكفر بعد.

(7)  أخرجه أحمد في (مسنده) 3: 435 (15588) من حديث الأسود بن سريع. قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) 5 :216 : رواه أحمد بأسانيد، والطبراني في (الكبير) (833)، و (الأوسط) (2005)، و بعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح.

من فوائد الحديث:

و في الحديث: تقدير للأسباب, و أنها لا تُنافي قضاءَ الله و قدَرَه، و كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له.

و في الحديث: إشارة إلى وجوب العناية بأمر الأطفال منذ الولادة إلى أن يبلغوا الحُلُم.

و في الحديث: رمزٌ إلى يُسْر هذا الدين و سَمَاحته، و أنَّ الأنبياء و َوَرثةُ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إذ يدعون عباد الله إلى الله، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور؛ فإنما يعيدون الفطر سيَرَتها الأولى, و يرفعون النفوس إلى محلِّها الأرفع.

* * * * *

أعلي الصفحة

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجـة و محـفوظة