بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصـل الأول : العـقـيدة  و الغـيبـيات

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

العـين حقٌّ جزاء الصَّالحات  شعب الإيمان
عـلاج العـين بلوغ الدعـوة المحـمدية دين الفطرة
إبطـال مـزاعـم الجـاهلية عـمل المرء لنفسـه اجـتماع الأنبياء عـلى دينٍ واحـد
عـمل المرء لغـيره خاتم النبيِّين

3 ـ اجتماع الأنبياء عـلى دين واحـد

3 ـ عـن أبي هـريرة رضي الله عـنه قـال: قـال رسول الله : { أنا أولى الناس بعـيسى بن مريم في الدنيا والآخرة؛ والأنبياء إخوة لِعَلاَّت، أُمَّهاتُهم شتَّى و دينُهم واحد }.  رواه الشيخان.

مجلة الأزهـر، العدد الخامس, المجلد الخامس عشر،  (1363هـ)

 أخرجه البخاري (3443) في كتاب الأنبياء, و مسلم (2365) في كتاب الفضائل.

و أولاد العَلاّت: الذين أمَّهاتهم مختلفة, و أبوهم واحد, أراد أن إيمانهم واحدٌ, و شرائعهم مختلفة. كما في (النهاية) 3 :291.

أقرب النبيين أخوَّة إلى المسيح:

ممَّا يسترعي النظر في هذا الحديث أنه مَصْدرٌ من أَجَلِّ مصادر السُّنة، في تاريخ الأديان، و أصول الشرائع، و رسالات الأنبياء، ودعوتهم إلى الله تعالى متعاقبين على أمرٍ واحد، هو دين الله الحق.

و جملة القول فيه: أن هذا النبيَّ الأُميَّ محمد بن عبد’الله، أقربُ النبيين أخوّةً إلى المسيح عيسى ابن مريم - صلوات الله وسلامه عليهم- في الأولى والآخرة؛ لأنه خاتم الرسل الذين بشَّروا برسالته، و مهَّدوا لقواعد مِلَّته، و أخذوا العهدَ و الميثاق على أمتهم لَيُؤْمنُنَّ به ولَينْصرنَّه ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ و َمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (سورة الصف: 6).

الدينُ الحقُّ:

و أنَّ المرسلين قاطبةً ينتسبون إلى أصل واحد، هو الدين القيِّم، الذي ارتضاه الله لنفسه، و شرعه لعبده، ثم وصَّى به رسله، وكتب ألاَّ يَقبلَ غيره، و ألا يجزيَ إلا به.

تعاقب الأنبياء على هذا الدين الحق، أصوله: توحيد الله و تنزيهه، و فروعه: صور من العبادات، و ضُروبٌ من التكاليف، تختلف باختلاف الأمم سذاجةً و حَصَافة، و طفولةً و رجولة، و طبيعةً و زمناً؛ كمثل القانون المهيمن على ممالك شتَّى يتفق فيها كلها أصولاً وقواعد، ويختلف فيها فروعاً و مناهج، تَبَعاً لاختلاف الطبائع و المدارك.

و ذلك هو تشبيهُ النبيِّ الأنبياء كافة بأولاد العَلاَّت ـ و هنَّ الضرائر(1) ـ لأنَّهن اجتمعوا في أب واحد هو الإسلام, وافترقوا في أمهات كثيرة؛ هي الأوعية الحافظة لهذا الدين في عهوده المختلفة, و المناهج الجامعة له في عصوره المتعاقبة.

و في هذا الحديث على وجازته أصولٌ لمباحث كريمة، و لفتات إلى معان سامية، سنحاول كشف الغطاء عنها بعون الله و توفيقه

(1) و العَلّة: الضَّرَّة، من العَلَل و هو الشُّرب بعد الشُّرب، كأنَّ الأبَ لمَّا تزوج امرأة بعد أخرى شرب مرةً بعد مرة، و أولاد الأخياف عكس أولاد العَلاَّت، أمهم واحدة و آباؤهم شتى, و أولاد الأعيان هم الأشقاء. (طه).

أصول الدين وفروعه وآدابه:

ينتظم ما جاء به كلّ نبي من الأنبياء أموراً ثلاثة:

الأول: ما يتصل بالعقيدة و أعمال القلوب من إفراده تعالى بالربوبية، و الاستسلام له بالعبودية، و الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله واليوم الآخر, والقضاء و القدر خيره و شره, حلوه و مره. و يُعرف ذلك و ما إليه بأصول الدين، و قد يعرف بالتوحيد لأنه ملاك هذه الأصول و عمادها، لا تقوم إلا به، ولا تنهض إلا عليه: ﴿و َمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول ٍإِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِِ (سورة الأنبياء: 25.) ، اتفقت على هذه الأصول جملةً وتفصيلاً كلمةُ الأنبياء، و نزلت بها كتب السماء، و أشار إليها قوله عزّ’و جل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا و َالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ و َمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (سورة الشورى: 13).

و الثاني: ما يتَّصل بأعمال الجوارح، كالصَّلاة و الزكاة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و بر الوالدين، و غير ذلك من سائر الأوامر والنواهي، ممَّا يُعرف بأصول الأحكام و فروع الإيمان.

و الثالث: ما يرتبط بالنفوس و تزكيتها، و الأرواح و ترقيتها, كإغاثة الملهوف, و التنفيس عن المكروب، و احتمال الأذى في الله، والمسارعة إلى الخير ابتغاء رضاه، و ما إلى ذلك مما يعدُّ من نوافل الأعمال، و كرائم الخصال، و إنْ لم يبلغ مبلغ الفرائض المحتومة والواجبات المفروضة.

و قد جاءت الأديان كلها بهذين القسمين كذلك، إلا أنها تختلف فيهما ـ ولاسيما أوَّلهما ـ اختلافاً كثيراً في الصور و الأشكال، لا في المقصد و المآل. و إلى هذين يشير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً و َمِنْهَاجًا و َلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً و َلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ (سورة المائدة: 48).

تشابك الشُعَب الثلاث:

على أنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ، و فروع، و مكارم؛ إنما هو للإيضاح و التقريب، و إلاَّ فلا جدال أنَّ هذه الشعب الثلاث كلها متَّصلة متشابكة، يقوّي بعضها بعضاً، و يشدُّ بعضها أزر بعض، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَمَآءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (اقتباس من الآيتين 24 ـ 25 من سورة إبراهيم. ).

و إذا كان من سُنَّة الله التدرُّج في الأشياء كلِّها, فليس بدْعاً أن تنشأ الشرائع الإلهية نشأة الإنسان في أفراده و جماعته، ويربي الجماعات أنبياءُ الله، كما يربي المرءَ أبواه، حتى إذا بلغ العالَمُ رُشْدَهُ، أرسل إليه من لا نبيَّ بعده، بخير الملل و أوْفاها, و أدومِ الشرائع وأبقاها، لا يضرُّ أهلها مَنْ خالفهم حتى يأتي أمر الله (2).

(2) انظر لهذا البحث: (حجة الله البالغة) [1: 285-297]، و (رسالة التوحيد)، و (تفسير المنار)  في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(طه).

وحدة الإيمان بالرسل:

أهم غايةٍ يرمي إليها الحديث هي: الإيمان بأنبياء الله جميعاً, و بأنهم مُتَّحدون متعاونون ينصر آخرُهم أوَّلَهم، و يؤيِّد بعضهم بعضاً، ولا يتمُّ التصديق بهم أجمعين؛ بل لا يتم الإيمان بالله عزَّ وجل مع الكفر بواحد منهم إلاَّ في زعم من سَفِه نفسَهُ و أضلَّ عقله.

 و قد تردَّى أهل الكتابَيْن في هاوية الكفر بمحمد ، و ازداد اليهود تردّياً بالكفر بعيسى عليه السلام, و هما ـ صلوات الله عليهما ـ ممَّا يقول الخرَّاصون جدُّ بريئَين.

الرسل مراتب ودرجات:

و ليس من التفريق بين الأنبياء تفضيل بعضهم على بعض، فقد أجمعت الأمة سلفاً و خلفاً على أن الرسل درجات, و على أنَّ أفضلهم أُولو العزم. و حَسْبُنا في دلائل هذا الفضل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ و َرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ (سورة البقرة: 253).

غير أنّه لا يَجْمل بالمؤمنين أن يشتغلوا بهذا التفضيل؛ خشية الزلل و الهفو. و قد يجرُّ التفضيل إلى الثَّلْبِ و الطَّعن و هما من صريح الكفر، و لهذا نهى النبيُّ أمته أن تُفضِّلَه على يونس بن متَّى صلوات الله وسلامه عليه، على حين أنه ـ كما قال ـ: ﴿و أنا سيّد وَلَدِ آدم ولا فخر(3)

ردُّ فرية:

و في الحديث ردُّ فِريَةِ اليهود في عيسى؛ ﴿و َقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (4)، و ردُّ فريَةِ النصارى في تأليههم إيّاه و هو عبدُ الله ورسوله؛ الأولى: أثر الغلوِّ في الظنِّ و الطعن، و الثانية: أثر الغلوِّ في الإطراء و المدح.  (4) اقتباس من الآية 156 من سورة النساء.

لا نبيَّ بين البعثتَيْن:

و الحديث شاهدٌ بأن لا نبيَّ بين عيسى و محمد عليهما الصلاة والسلام، و فترة ما بينهما قرابة ست مئة عام.

أما الثلاثة الذين أُرسلوا إلى أصحاب القرية, فإنهم رُسُلُ عيسى و بعضُ حواريه، أرسلهم بأمرٍ من الله عز و جل.

و أما مَنْ دعا قريشاً إلى ملّة إبراهيم من العرب, فإنّما هم بقيَّةٌ من أتباع إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

و إذ لم تكن هذه الرواية فيصلاً فيما نقول، ففي رواية أخرى للشيخين: ﴿أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد عَلات، وليس بيني وبينه نبي(5).

(3) رواه أحمد 3: 2(10987)، و الترمذي (3148)، و ابن ماجَهْ (4308) عن أبي سعيد من حديث طويل بلفظ: ﴿و أنا سيد الناس يوم القيامة و لا فخر

(5) أخرجه البخاري (3442), و مسلم (2365).

* * * * *

 

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجـة و محـفوظة

جارى استكمال صفحات الموقع