بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصـل الأول : العـقـيدة  و الغـيبـيات

الأحاديث

 

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

العـين حقٌّ جزاء الصَّالحات  شعب الإيمان
عـلاج العـين بلوغ الدعـوة المحـمدية دين الفطرة
إبطـال مـزاعـم الجـاهلية عـمل المرء لنفسـه اجـتماع الأنبياء عـلى دينٍ واحـد
عـمل المرء لغـيره خاتم النبيِّين
جزاء الصَّالحات-4 جزاء الصَّالحات-3 جزاء الصَّالحات-2 جزاء الصَّالحات-1

5 ـ جزاء الصَّالحات ـ 3

قصَّة أبي طالب (1)

8 ـ عن العباس بن عبد المطَّلب رضي الله عنه قال للنبيِّ  : ما أغنيت عـن عمك فإنه كان يَحوطُك, ويغضب لك! قال: {هو في ضَحْضَاحٍ من نار، و لولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار}(2)  رواه الشيخان .

9 ـ عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه أنه سمع النبيَّ   و ذُكِرَ عنده عمه أبو طالب، فقال: {لعلَّه تَنْفَعُهُ شفاعتى يوم القيامة، فَيُجْعَلُ في ضَحْضَاح من النار يبلغُ كعبَيْهِ، يَغْلي منه دماغه!} (3) رواه الشيخان، واللفظ للبخاري.

مجلة الأزهر, العددان 7 و8, المجلد السادس والعشرون (1374).

(1) هذا عنوان أبي عبد الله البخاري لثلاثة أحاديث في كتاب المناقب: هذين الحديثين، و ثالث بينهما في وفاته، سنستعين به في الشرح (طه).

(2) أخرجه البخاري (3883) في مناقب الأنصار, و مسلم (209) في الإيمان.

(3) أخرجه البخاري (3885) في مناقب الأنصار, و مسلم (210) في الإيمان.

المفردات:

حَاطَهُ يحوطُهُ حَوْطاً و حيَاطة: صَانه و حفظَه و ذبَّ عنه، و توفَّر على مصالحه.

و الضَّحْضَاح: ما رقَّ من الماء على وَجْه الأرض إلى نحو الكعبين، و استُعير هنا للنار.

و الدَّرك: قعر جهنم و طبقتها السُّفلى. و فتح الراء وإسكانها: قراءتان سبعيتان.

قصة عجيبة:

لهذه القصَّة العجيبة صلةٌ أيُّ صلةٍ ببحثنا السابق (جزاء الصالحات), نرجو من الله أن يجعلها عوناً لإتمام هذا البحث، كما نرجو أن ينفعنا بما فيها من عِبر و عظات!!.

أعمام النَّبيِّ الذين أدركوا الإسلام:

أدرك الإسلام من أعمام النبيِّ الاثني عشر أربعةٌ؛ استجاب له منهم سيِّد الشهداء, و أبو الخلفاء: حمزة, و العباس. ولكلٍّ منهما في الإسلام، و نُصرةِ النبيِّ عليه الصلاة و السلام، بلاءٌ عظيم، و مقامٌ كريم. عليهما رضوان الله.

و لحكمة بالغة حقَّت كلمة العذاب على عَمَّيه: أبي طالب و أبي لَهَب، و إنْ كان البُعد بين عذابَيهما في دار القرار، كالبُعد بينهما في هذه الدار؛ و أين مَنْ كان يسبُّه و يَخْذله، و يُعاديه أشدَّ العداء، ممَّن كان يؤيِّده و يعاضدُه، و يُواليه أشدَّ الولاء؟!.

أبو طالب و عبد المطلب في قريش:

كان أبو طالب عمّاً شقيقاً للنبيِّ ، و كان ـ على قلَّة ماله ـ كأبيه عبد المطَّلب، سِّيداً كريماً مَهيباً، مُطَاعاً في قومه محبَّباً؛ وكان إلى ذلك مُحبًّا لابن أخيه حُباً فاقَ كلَّ حُب، و مُؤْثِراً له إيثاراً فاق كلَّ إيثار، و إذا أعدَّ الله من اصْطَفَاهِ ليُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق، فإنه خليقٌ بمنتهى الحبِّ و الإعجاب و الإكبار.

عَرَف ذلك منه أبوه عبد المطَّلب، و كان كفيلَ النبيِّ ، و وليّ أمره. فلمَّا حضرته الوفاة, و قد أشرفَ الحفيدُ الحبيبُ على الثامنة من عمره، عهد بكفالته إلى ابنه أبي طالب، و وصَّاه به حُسناً.

أعلى مثل للأبوة والبنوَّة في التاريخ:

و أنفذ أبو طالب وصية أبيه بابن أخيه في كلِّ مرحلةٍ من مراحل حياته المباركة، و عامله أحسنَ معاملة تُرجى من أب حَفيٍّ سَريٍّ، لوحيده الزكي الوفي … حتى إذا بلغ أشدَّه و بلغ أربعين سنة، و فضَّله الله بالنبوَّة الخاتمة، و الرسالة إلى الناس عامة,’لم يتخلَّ عنه ساعةً من ليل أو نهار، حين تخلَّى عنه الأقرباء، و ناصَبَه قومُه العداء، و وقفوا في سبيل دعوته عَقَبةً كأْداء؛ بل اشتدَّ ولاؤه له وَذِيادُه عنه.

عام الحزن:

كان أبو طالب و العقيلة النبيلة، أمُّ المؤمنين و أوَّل المُصَدِّقين: خديجة بنت خويلد ـ عليها رضوان الله ـ وَزيرَيْ صدق لدعوته، وردَائَي حقٍّ لرسالته.

و يقضي الله الذي لا رادَّ لقضائه، و لا مُعَقِّب لحكمه، أن يفقد النبيُّ هذين الوزيرَيْن أحْوَجَ ما يكون إليهما، بعد أن قاما مُخْلِصَيْن بعبءٍ عظيم في كفاح الدعوة، و أبليا فيها بلاءً حسناً إلى أجلٍ مسمَّى. و توفَّاهما الذي يتوفَّى الأنفس حين موتها, في شهرٍ واحد، بعد شقِّ الصحيفة الظالمة، و فكِّ الحصار الذي استمرَّ سنتين أو ثلاثاً، و كان أثراً من آثار الصِّراع بين الحق و الباطل؛ و قبل الهجرة النبوية بثلاث سنوات أو نحوها! فلا عَجَب أن يَعظُمَ حزنُه عليهما، و أن يُسمِّي سنة وفاتهما عامَ الحزن! و أن يستقبل بعدهما أهوالاً جساماً!!.

بذل قصارى جهده في هداية عمه:

و أشدُّ أسباب حزنه ـ فيما نعتقد ـ موتُ عمِّه أبي طالب على مِلَّة عبد المطَّلب، و كان يرجو كلَّ الرجاء أن يموتَ على مِلَّة إبراهيم حنيفاً؛ ذلك بأنه صلوات الله و سلامه عليه المثلُ الأعلى للإسلام في كلِّ ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، وفي مقدمتها: حفظ الجميل وحُسن الجزاء. و إذاً فلا مناص من أن يَبْذُل قُصارى جهده في هداية عمِّه؛ ليكون معه في الذين أنعم الله عليهم من النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهدَاء والصَّالحين، و في ذلك قُرَّة عينه، و وفاءُ دَينه، و جزاء عمِّه، و أنعم به جزاء.

وفاةٌ يحضرها رسولُ الله و عدوُّ الله:

و كان خاتمة ما بذل من جهد ما رواه الشيخان(4) و غيرهما، أنه دخل عليه, و قد حضرته الوفاة، و عنده عدوُّ الله وفرعونُ هذه الأمة، ومعه عبد’الله بن أُميَّة الذي أسلم في عام الفتح, فقال له: {أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله} فقال الشقيُّ البغيُّ أبو جهل: يا أبا طالب، أترغَبُ عن ملَّة عبد المطَّلب؟! فلم يَزَل رسول الله يعرض عليه كلمةَ التوحيد، و لم يزالا يَعْرضان عليه تلك المقالة، حتى قال للنبيِّ : يا ابن أخي، لولا السُّبَّة و أن تُعيِّرني قريشٌ بها لأقررت بها عَيْنُك، ثم كان آخر ما كلَّمهم به: هو على ملَّة عبد المطَّلب!! فقال صلوات الله و سلامه عليه: {أما و الله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك}، فأُنزل في أبي طالب: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ و َلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56), و أنزل فيه و في غيره: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ و َالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى} (التوبة: 113).

(4) أخرجه البخاري (4772), و مسلم (24).

هدايتان:

و لا يعزب عَمَّن فقَّهه الله في الدين، أنَّ الهدايةَ التي نفاها عن نبيِّه فى الآية السابقة، غير الهداية التي أثبتها له في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52)، فالأُولى: هي الإلهام و التوفيق، و الثانية: هي الدلالة و الإرشاد لأقوم طريقٍ, وشتَّان ما بينهما.

المجادلة في الحق بعدما تبيَّن:

ألا إنه لا يحلُّ لمن يؤمنُ بالله و اليوم الآخر أن يزعم إيمانَ أبي طالب حقاً بعد هذه الأدلة، و إن كان يودُّ إيمانه خالصاً من قلبه، إقراراً لعين رسول الله .. و لا حجَّة لمن يزعم إيمانه من الرافضة و غيرهم مُتمسِّكاً بما نُسب إليه من مدحه و ثنائه وتصديقه بالنبيِّ في مِثْلِ قوله:

و َدَعَوْتني و علمتُ أنَّكَ صادقٌ

 

و لقد صدقت فكنت قبلُ أمينا

و لقد علمتُ  بأنَّ  دينَ  محمَّدٍ

 

من خيرِ أديان   البريَّة  دينا

فَقُصَارى ما في ذلك كلِّه أنه آمنَ بالرسول وحده، و لم يُؤْمن بربِّه الذي أرسله، و إذا كان إيمانه بالله دون الإيمان برسوله لا ينفعه، فكيف بإيمانه بالرسول وحده، و هو إيمانٌ دفعت إليه أواصرُ الرَّحم، و وليجةُ القربى؟!!.

فلا يهمنَّك (أسنى المطالب في نَجَاة أبي طالب)(5) بل اهتمَّ إن شئتَ بترجمته في (الإصابة) لابن حجر(6)، و حَسْبُك ما فيه مِنْ حُجَجٍ دوامغ!.

(5) هو للشيخ أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة المتوفى سنة 1304رحمه الله  تعالى, و كتابه هذا مستلٌّ مِنْ كتاب السيد محمد بن رسول البرزنجي الشافعي المتوفى سنة 1103 رحمه الله تعالى، و اسمه: (سَداد الدِّين و سِدادُ الدَّين في إثبات النجاة و الدرجات للأبَوْين) ص350_406.

(6) في القسم الرابع مِنْ باب الكنى 7: 196 ـ 203, و لا يستغرب ترجمة الحافظ ابن حجر له مع أنه ليس مِنَ الصحابة, لأنه ترجمه في القسم الرابع, وهو كما قال الحافظ 1: 571 : (فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهَم و الغَلَط, و بيان ذلك البيان الظاهر الذي يعوَّل عليه, على طرائق أهل الحديث, و لم أذكر فيه إلا ما كان الوهَمُ فيه بيِّناً).

عظاتٌ و عبر:

ألا و إنَّ خيراً من المجادلة في الحقِّ بعد ما تبيَّن, أن تتلمَّس وجوهَ العِظة و العبرة في هذا الصُّنع الإلهي، فلعلَّنا نجد فيه تفسيراً عملياً لقوله جلَّ سلطانه: {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران: 128)، و قوله تعالى شأنه: {قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأعراف: 188)،  ثم قوله تباركت آلاؤه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات: 17).

هذا إلى ما ذكره فقهاء السيرة النبوية و حكماؤها من الحِكَم الإلهيَّة البالغة، في مبادرة الأباعد إلى الإيمان به دون الأقارب، وأنَّ ذلك من أعلام نبوَّته .

ولعلَّنا نقول ـ بعد ـ مقالة الذين نزع الله ما في صدورهم من غل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا و َمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (الأعراف: 43).

ذلك، وللحديث بقية تأتي في موعدها إن شاء الله تعالى.

* * * * *

أعلي الصفحة

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجـة و محـفوظة

جارى استكمال صفحات الموقع