بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصـل الأول : العـقـيدة  و الغـيبـيات

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

العـين حقٌّ جزاء الصَّالحات  شعب الإيمان
عـلاج العـين بلوغ الدعـوة المحـمدية دين الفطرة
إبطـال مـزاعـم الجـاهلية عـمل المرء لنفسـه اجـتماع الأنبياء عـلى دينٍ واحـد
عـمل المرء لغـيره خاتم النبيِّين

8  ـ عَـمَـل  المرء لغـيره

12 ـ عـن أبي هـريرة رضى الله عـنه أن رسول الله   قـال: ]إذا مات الإنسانُ انقطع عمله إلاّ من ثلاثةٍ: إلاَّ من صدقةٍ جاريةٍ, أو علم يُنتفع به, أو ولدٍ صالح يدعـو له[. رواه مسلم. (1)

مجلة الأزهر, العدد الثامن, المجلد الثلاثون (1378 = 1959)

(1) أخرجه مسلم (1631) في كتاب الوصية بهذا اللفظ ليس غير. و هو الذي ذكره ابن القيم في كتابه (الروح) [ص298] لكن بلفظ (ثلاث) من غير هاء، ورفعه النووي في شرحه لمقدمة مسلم [60:1] بلفظ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية... إلخ)، و من الغريب أن ينسبه صاحب (كشف الخفاء) [60:1]  إلى أبي داود (2880) و الترمذي (1376)، و النسائي (3651)، و البخاري في (الأدب المفرد) (38), و يترك (مسلماً)، و لعله سهوٌ منه أو من الناسخ, ومن الخطأ نسبته إلى الشيخين, أو إلى البخاري وحده؛ فإنه لم يخرِّجه في (صحيحه), و هو المراد عند الإطلاق (طه).

مثوبة الله تعالى لعبده على عمل غيره:

كَثُر الجَدل قديماً و حديثاً ـ و لا يزال قائماً ـ في مثوبة الله تعالى وجزائه لعبده على عمل غيره.. فرَجَوْنا من الله أن يهديَنا سبيل الرَّشاد، حتى نَخْلُصَ إلى الحقِّ من بين هذه المعركة الثائرة، و أن يشرحَ بالحقِّ صدوراً لا تزال بالجدل ضائقة حائرة، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ اقتباس من الآية 4 من سورة الأحزاب.

صلاح العمل عند الله: 

لا جِدَال في أنّ من أصول الإسلام البيِّنة، ألاَّ يُقبلَ عند الله عملٌ غير صالح، سواء أعمله المرء لنفسه، و هو ما قدَّمنا الحديث عنه في الجزء الأسبق؛ أم عمله المرء لغيره، و هو ما نعرض له في هذا الحديث؛ و لا جدال كذلك, في أنّ صلاح العمل عند الله سبحانه، إنما هو ببنائه على العلم المأثور، و خلوصِه من الشِّرك أكبرِهِ و أصْغَرِهِ، حتى لا يبتغيَ به عاملُه إلاّ وَجْهَ ربِّه الأعلى.

و من الأوَّليَّات التي يعرفُها كلُّ مسلم أنَّ الإسلام بُني على الإيمان و العمل، و التعاون على البرِّ و التقوى.

الأعمال أصناف ثلاثة:

و مما يجب التنبيه عليه في هذه المقدمة ـ إحقاقاً للحق وإيضاًحا له ـ أنَّ عمل العبد قد ينتهي بانتهاء أجله، و قد يمتد إلى أمدٍ ـ قريب أو بعيد ـ بعد أجله، و ربَّما كان عظيماً خالداً لا ينقطع أثره. و قد يكون المرء سبباً في عمل غيره له, فينسب إليه كأنه عمله، ويلحقُه ثوابه وأجره من غير أن ينقص شيءٌ من أجر العامل نفسه؛ و من هنا كان الدالّ على الخير كفاعله.. و إذاً فالأعمال أصناف ثلاثة:

عمل المرء لنفسه؛ كسباً, و سعياً, و تحصيلاً من طريق متَّصل مباشرة، لا وَسَاطة فيه و لا سبب، كصلاتِهِ وصيامِهِ وحَجِّه، وسائر أعماله البارَّة التي تنتهي بموته، أو يمتدُّ أثرها بعده إلى ما شاء الله لها أن تمتدَّ، مُسَجَّلةً في صحيفته، كعلمه النافع، وتأليفه الراشد، وحَبْسه الخير على أهله.

و عملٌ لم يعمله المرء لنفسه، و لكنه كان سبباً فيه, أو داعياً له و دالاً عليه، و لولاه ما نَبَتَ هذا العمل و لا أثمر، كَمَنْ أنقذ كافراً، أو أرشد حائراً، أو هدى ضالاًّ، أو علَّم جاهلاً، أو دَعَا إلى الرُّشد حاكماً، أو ردَّ إلى العدل ظالماً.. لا جَرَمَ أنَّ له أعمالاً مباشرةً متَّصلة، هي الإنقاذ و الإرشاد و الهداية و التعليم و الدعوة و الرد، و له وراءها أجورُ آثارها الحَسنة؛ إذ كان سبباً فيها، و لولاه لهدمها الكفر وما بعده.

و عملٌ لم يعمله المرء و لم يكن له فيه سعيٌ و لا سبب، اللهم إلا السبب العام، و هو الإيمان بالله و بما جاء به خاتمُ النبيين صلوات الله وسلامه عليهم.

انتفاع المؤمن بعمله و بما كان سبباً فيه بعد موته:

و الحديثُ شَاهدُ عَدْلٍ على أنَّ المرء ينتفع بعمله, الذي امتدَّ أثره بعد موته، كما ينتفع بعمله الذي انقطع ثوابُه بموته؛ وعلى بطلانِ ما ذهب إليه شِرذمةٌ من أهل الكلام و البدع, زعموا أن الميِّت لا ينتفع بعد أن فارقَ حياته بشيءٍ البتة، و شاهدُ عدل كذلك على أنه ينتفع بما كان سبباً فيه و داعياً له؛ فإن استثناء هذه الأعمال الثلاثة من جملةِ عمله دليلٌ على أنها منه، و أنَّ سبب العمل والسعيَ فيه يلحقه به.

أصول الصالحات المذخورة:

و الاقتصار على الثلاثة في حديث مسلم؛ لأنها أصول الصَّالحات المَذْخورة التي يُردُّ إليها غيرها، و يُقاس عليها أمثالها؛ أو لأنَّ الله أعلمَه بالثلاثة أولاً, ثم أعلمُه بما زاد عليه ثانياً، ﴿و َقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا  سورة طه: 114

وقف الخيرات و المبرّات:

و في الحديث: الحضُّ على وقف الخيرات و المبرَّات الدائمة التي يبقى ذُخرها و أجْرها ما بقيت أعيانها …

العلم النافع:

و تقييدُ العلم بالمنتفع به؛ لأنّ العلم الذي لا يُنتفع به لا يثمر أجراً، بل ربّما كان وزراً و بلاءً و إثماً على صاحبه!.

﴿و من سنَّ في الإسلام سنّة حسنة, فله أجرُها و أجرُ مَنْ عمل بها من بعده, من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومَنْ سنَّ في الإسلام سنَّةً سيِّئة كان عليه وزْرها و وزْر من عمل بها من بعده, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء(2)

(2) اقتباس من حديث رواه مسلم (1017) و قد شرحه المؤلف رحمه الله تعالى بعنوان: سنَّةٌ حسنة.

تنشئة الأولاد على الهدى و الاستقامة:

لا جَرَمَ أنَّ الولد من كسب الوالد و سعيه، و أنَّ ما يعملُه من الصَّالحات فلأبيه و أمه في صحائفهما مثلُ أجره؛ إذْ كانا السبب في وجوده وتربيته؛ ومن هنا كان من أعظم الأعمال أثراً، و أجلِّها قدراً: تنشئةُ الأولاد على الهدى و الاستقامة, و تربيتُهم على الصَّالحات التي يدَّخرها الوالدان لنفسيهما، و ليس عليهما بعد بلوغ الجهد و الوسع في التربية على الهداية، ألاّ يهتديَ الولد؛ فإنَّ التوفيق للهداية بيد الله وحده، وقد قال لنبيه صلوات الله عليه وسلامه. ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. سورة القصص: 56.

و يؤيِّد هذا الحديث و يفصِّله ما رواه ابن ماجَهْ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ﴿إنَّ ممَّا يلحق المؤمن من عمله و حسناته بعد موته: علماً علَّمه و نشرَه، و ولداً صالحاً تركه، و مصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أونهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته و حياته تلحقه من بعد موته (3)

الولد الصالح:

و إنّما وُصف الولد بالصلاح؛ لأنَّ الأجر قلَّما يكون من غيره، اللهمَّ إلا أجر الصبر على مصيبته, و النكبة به, و الجهاد في تقويمه!!.

لا جَرَم أنَّ فسق الأولاد و عقوقهم من أشدِّ البلايا و المصائب و الفتن التي يَمتحنُ بها الله آباءَهُم!! و أن موتهم لأهون هذه البلايا وأيسرها على ذويهم!!. 

و لا يلحق الوالد شيءٌ من أوزار ولده و سيِّئاته، إذا كانت نيّته في تربيته تحصيلَ الخير له, و العمل على ما ينفعه في دينه ودنياه، ولم يكن معيناً له على فساده …

هل الأجر متوقِّفٌ على دعاء الولد؟

و ليس دعاء الولد شرطاً في حصول أجر الوالد و مثوبته؛ فإنَّ الأجر ثابتٌ للوالدين كلَّما عمل عملاً صالحاً, و إن لم يدعُ لهما؛ كَمَن غرس شجراً، أو أجرى نهراً، أو وقف خيراً, فإن له أجرها سواءٌ دعا له من انتفع به, أم لم يدع له.

و إنما ذُكر الدعاء تحريضاً للولد على الدعاء لوالديه، و براً بهما، و شكراً لهما، و وفاءً لبعض حقِّهما عليه، و امتثالاً لأمر الله تعالى، واقتداءً برسله صلوات الله و سلامه عليهم، فقد قال جلَّ ثناؤه: ﴿و َقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا سورة الإسراء: 24.

و حكى عن شيخ رسله و أنبيائه ـ نوح عليه السلام ـ دعاءَه لوالديه خاصَّة، و للمؤمنين عامة، فقال عزَّ من قائل: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ و َلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا و َلِلْمُؤْمِنِينَ و َالْمُؤْمِنَاتِ و َلاَ تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا سورة نوح: 28.

لا جرم أنَّ الولد يُؤْجر على الدعاء لوالديه، و أنَّ الوالدين ينتفعان بدعاء ولدهما، علاوةً على انتفاعهما بكل عمل صالح يعمله.

أما بعد، فهاهو الحديث شمل صنفين من العبادة، أجمع المسلمون على مثوبتهما و عظَم آثارهما و الانتفاع بهما … وبقي النظر في الصنف الثالث، ندِّخره للجزء القادم، فما أجدره بجزء مستقل(4). والله المستعان على قول الحق و اتِّباع سبيل المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا به.

 (3)  أخرجه ابن ماجَهْ (242)، و ابن خزيمة (2490)، و من طريقه البيهقي في (الشُّعب) (3448) من طريق مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة مرفوعاً. و إسناده ضعيف، مرزوق بن أبي الهذيل ليِّن الحديث. وفي الباب عن أبي قتادة عند ابن ماجه (241)، وابن حبان (93).

(4)  لم أقف على تتمَّة شرحه لهذا الحديث، و هو آخر ما وقفت عليه منشوراً في مجلة الأزهر، و لعلَّ الله سبحانه يقيِّض لي الوقوف على تتمة شرحه لهذا الحديث و غيره مما لم ينشر للمؤلف رحمه الله تعالى.

* * * * *

أعلى الصفحة

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجـة و محـفوظة