بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصل الخامس: الرقائق و الأخلاق

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

من حُسْن إسلام المرء إنما الأعمال بالنيات

بركة المسلم حياً و ميتاً

كياسة المؤمن

التماس رضا الله و إن سخط الناس

عزَّة الكمال في الناس

الحبُّ الإلهي

الصحة و الفراغ

1 ـ إنما الأعمال بالنيات

46 ـ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: { إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله, فهجرته إلى الله و رسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه }. رواه الشيخان.

مجلة الأزهر، العدد الثاني، المجلد التاسع عشر، (1367 = 1947).

أخرجه البخاري (1) و (54) و (2529) و (3898), و (5070) و (6689) و (6953), و مسلم (1907).

ثلث الإسلام:

أجمع الأئمة على جلالة هذا الحديث، و عظيم خطره، حتى قال الشافعيُّ و أحمدُ و غيرهما: إنه ثُلُث الإسلام, يعنون: أنَّ الإسلام ينتظم أركاناً ثلاثة: عملَ الجَنان، و قولَ اللسان، و فعلَ الجوارح, أو يريدون: أنه أحد الأحاديث الثلاثة التي إليها تُردُّ جميعُ الأحكام؛ والثاني: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ } رواه مسلم عن عائشة (1718)؛ و الثالث: { الحلال بيِّن والحرام بيِّن }، الحديث. رواه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أخرجه البخاري (52) و (2051), و مسلم (1599). .

تقدير النّية و الاعتداد بها:

و الحديثُ بعدَ هذا يرفع شأن النيَّة, و يُعلي مكانَها، و يبيِّن أنَّها من العمل بمنزلة الأُسِّ من البناء، و الرُّوح من الجَسَد، والعماد من البيت.

 و إذا قدَّرت القوانين النيَّة قَدْرها، و ربطت بين آثارها، و أدخلت في الثواب أو العقاب حسابها، فإنَّ شريعةً من الشرائع لم تبلغ مبلغ الإسلام في تقدير النيَّة و الاعتداد بها.

و حَسْبُك أنه يَهدر العملَ إذا خلا من النية، و يجعلُه ـ أو يكاد ـ ضرباً من ضروب اللّغو أو الخطأ، و هو لا يجزي على واحد منهما, وإن أدَّى بطريق المصادفة إلى غاية حسنة. فإنْ عاقب المخطئ إذا أفضى خطؤه إلى ضرر، فلِتربية اليقظة في النفوس وتحذيرها أن تتهاونَ أو تتغافلَ حتى تنحرفَ عن الجادَّة.

و من هنا رُفع القلم عن الصَّبيِّ حتى يبلغَ، و عن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ (1)، كما رُفع عن المخطئ والناسي والمُكره(2)؛ لأنَّ هؤلاء جميعاً لا نيَّة لهم, اللهمَّ إلا الصبيَّ إذا ميَّز فإنه يؤدَّب إذا أساء, و يُكافأ إذا أحسن، وإن تكن نيَّته دون من بلغ الحُلُم، على أنَّ الإسلام لم يتركْ هذا الباب مفتوحاً على مِصْراعَيه، يلجه كلُّ من تحدِّثه نفسه بالتخلِّي عن التَّبِعَة, بل وضع شروطاً للخطأ والنسيان والإكراه تأخذ بتلابيب كلِّ مُفْترٍ أو مُتَصنِّع(3).

(1) للحديث الذي رواه الترمذي (1423) في الحدود، و أبو داود (4403) في الحدود أيضاً من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله  : {رُفِع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، و عن الصبيِّ حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يعقل }.

(2) للحديث الذي رواه ابن ماجَهْ (2045)، و ابن حبّان في صحيحه (7219) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله   قال: {إنَّ الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ و النسيان، و ما اسْتُكرهوا عليه }.

(3) فلا يقبل من دواعي الخطأ و النسيان و الإكراه إلاّ ما دلَّت القرائن على صدقه (طه).

(4) عزاه في ( المقاصد الحسنة ) ص 450 للطبراني في( الكبير)6: 18(5942)  من حديث سهل بن سعد الساعدي, وأيضاً عزاه للعسكري من حديث النواس بن سمعان, والديلمي من حديث أبي موسى الأشعري ... ثم قال بعد أن ذكر رواياتهم: (وهي و إن كانت ضعيفة فبمجموعها يتقوَّى الحديث ).

(5) رواه أحمد 4: 231 (18032)، والترمذي (2325) و قال الترمذي: حسن صحيح.

(6)  روى البخاري في الرقاق (6491)، و مسلم بألفاظ كثيرة في كتاب الإيمان 1:118(113) عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ فيما يرويه عن ربِّه عزَّ و جل قال:{إنَّ الله كتب الحسنات والسيِّئات، ثم بيَّن ذلك: فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها فَعَمِلَها كتبها الله له عنده عشرَ حَسَناتٍ، إلى سبعمائة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة. ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها فَعَمِلها كتبها الله له سيئةً واحدة }

و في الرواية الأخرى التي عند البخاري في كتاب التوحيد (7501) عن أبي هريرة: {وإن تركها - أي السيئة - من أجلي فاكتبوها له حسنة} و جاء مثل هذا القيد في رواية مسلم 1 :118(129): {وإن تركها من جَرَّايَ} أي: من أجلي.

نية المؤمن خير من عمله:

و إذا أردت أن تبلغَ الغاية في تقدير الإسلام للنية و الاعتداد بها، فانظر إليه إذ يفضِّل النيَّة المجرَّدة من العمل على العمل المجرَّد من النية، و هذا تأويل الأثر المشهور: (نية المؤمن خيرٌ من عمله)(4)؛ و ذلك لأنَّ العمل الذي خلا من النية كالصُّورة لا حياة فيها، والبنيان لا أساسَ له، فلا خير منه يُرجى, و لا ثمرةَ له تُرتقب؛ أما النيَّة الصَّالحة فهي تُذكِّي صاحبها، و تُوجِّهه إلى صالح العمل وشيكاً؛ بل هي تُلحقه بالعاملين المخلصين إنْ صَلَحَت، و بالمفسدين إنْ فَسَدَت، وإن لم يصنع صاحبُها شيئاً.

و شاهد هذا ما رواه الترمذي من حديث أبي كَبْشَة الأنماري رضي الله عنه، عن النبيِّ : {إنما الدنيا لأربعة نفر:

  عبدٌ رزقه الله مالاً و علماً فهو يتَّقي فيه ربه، و يَصِل فيه رَحِمَه، و يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل،

و عبدٌ رزقه الله علماً و لم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيَّته، فأجرهما سواء.

و عبدٌ رزقه مالاً و لم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتَّقي فيه ربَّه، و لا يَصِلُ فيه رَحِمَه، و لا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل.

و عبد لم يرزقه مالاً و لا علماً، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فوِزْرُهما سواء }(5).

و قد دلَّت صِحَاح الآثار على أنَّ من اعتاد عمل خيرٍ أو همَّ به فَحَبسه حابسٌ من مرض أو عذر، كتب الله له ثوابَ ما نوى.

فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول : {إذا مرض العبد أو سافر، كُتبَ له مثلُ ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً }. رواه البخاري (2996) في الجهاد.

و ما رواه البخاري أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبيِّ فقال: {إنَّ قوماً خلَّفنا في المدينة، ما سَلَكْنا شِعْباً ولا وادياً إلا و هم معنا، حَبَسهم العذر}.  رواه البخاري (2839) في كتاب الجهاد.

و كما يُجْزَى العبدُ على الحسنة يهُمُّ بها فلم يستطعها، يُجْزَى كذلك على السَّيِّئة يريدها، ثم يكفُّ عنها خشيةَ الله عزّ وجل(6)، و ربما انتظم ـ بخوفه من الله ـ في سلك الطوائف السَّبعة, التي يظلُّها الله يوم لا ظلَّ إلا ظله.

اختلاف الجزاء على الأعمال:

و لمَّا كانت النيَّة تختلف قوّةً و ضعفاً، على حَسْب منزلة العبد في الإخلاص قُرباً و بُعداً، اختلف الجزاء على الأعمال قِلّةً و كَثْرةً، حتى جُوزي المحسنُ على حسنةٍ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلاّ الله عزّ و جل.

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : { من تصدَّق بعَدْل تمرةٍ(7) من كسبٍ طيِّب ـ ولا يقبل الله إلا الطَّيِّب ـ فإنَّ الله يتقبلُها بيمينه, ثم يربِّيها لصاحبها, كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه(8) حتى تكون مثل الجبل} رواه البخاري (1410), ومسلم (1014).

و روى النسائي و غيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله :{ سَبقَ درهمٌ مئة ألف درهم}، فقال رجل: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال:{ رجلٌ له مال كثير أخَذَ من عُرضه مئة ألف درهم تصدَّق بها، و رجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدَّق به} رواه النسائي (2527), (2528).

و لعلَّ في هذا الذي أسلفنا بياناً لفضل النيَّة الصالحة، و أنَّها جوهر العمل و روحُه، و تلك خلاصة الجملة الأولى: {إنما الأعمال بالنيَّات)؛ وتصويراً صادقاً لجزاء العاملين، و أنه على حسب نياتهم، و مرتبة كلٍّ من الإخلاص، و هم في ذلك درجاتٌ، وتلك خلاصة الجملة الثانية: { وإنما لكل امرئ ما نوى }.

(7) أي بقيمتها لأنّ العَدل بالفتح: المِثْل، و بالكسر: الحِمْل.

(8) مهره, و فيه لغتان: الفتح فالضم بالتشديد، و الكسر فالسكون بوزن جرو. و التقبُّل باليمين كناية عن الرضا (طه).

جزاء المخلصين والمرائين:

و لمَّا بيَّن صَلَوات الله و سلامه عليه أنَّ الأعمال بحسب النيَّات، و أنَّ حظَّ العامل من عمله نيّته ـ خيراً كان العمل أو شراًـ أوضح جزاءَ المخلصين و المرائين في مثال من الأعمال التي تتَّحد صورتها, و يختلف حكمها و الجزاء عليها باختلاف النَّية فيها, إخلاصاً ورياءً وصلاحاً و فساداً، و كأنه يقول: إنَّ سائر الأعمال على قياس هذا المثال.

اختيار التمثيل بالهجرة:

و اختيارُ التمثيل بالهجرة لِمَا لها من عظيمِ الشأن في ذلك العهد، و لعلَّه تحدَّث الحديث في إبَّان الهجرة من مكة إلى المدينة والدعوة إليها.

يؤيِّد ذلك ما يُروى أنَّ رجلاً هاجر من مكَّة إلى المدينة, لا يريد فضيلة الهجرة, و إنَّما يريد أن يتزوَّج امرأةً تُدعى أم قيس(9). فإنْ صحَّ أن تكون القصَّة سبب هذا الحديث كما قيل، كان التمثيل بالمرأة مَقْصوداً له، جَرْياً على كريم عادتِه من التعليم و الإرشاد من غير أن يُجابِهَ أحداً بما يكرهُ حياءً أو كَرَماً, و إلاّ فالقصَّة من قبيل المُصَادفة(10) ليس غير.

(9) قال الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) 1: 74: ( و قد اشتهر أن قصة مُهاجر أمِّ قيس هي كانت سبب قول النبي : {من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها }, و ذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم, و لم نرَ لذلك أصلاً يصحُّ. و الله أعلم ) انتهى.

و قد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن شقيق ـ وهو أبو وائل ـ قال: خطب أعرابيٌّ من الحيِّ امرأة يقال لها: أمُّ قيس, فأبت أن تزوِّجه حتى يهاجر, فهاجر, فتزوجته, فكنَّا نسميه مُهاجرَ أمِّ قيس. قال: فقال عبد الله: يعني ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئاً, فهو له.

و روى هذه القصة سعيد بن منصور في  ( سننه )، و من طريقه الطبراني في (المعجم الكبير) (8540) عن أبي معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) 2: 101 رجاله رجال الصحيح. و قال الحافظ في (الفتح) 1: 10: (لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سبق بسبب ذلك, و لم أر في شيءٍ من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك).

(10) الصحيح أن يقول: من باب الموافقة لا غير.

 الهجرة في الإسلام:

و قد وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين: أوَّلهما: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتَي الحبشة, وابتداء الهجرة من مكّة إلى المدينة. و الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، و ذلك بعد أن استقرَّ النبيُّ بالمدينة, و هاجَرَ إليها مَنْ أمكنَه ذلك من المسلمين، و كانت الهجرة إذْ ذاك تختصُّ بالانتقال إلى المدينة, إلى أن فُتحت مكة, فانقطع الاختصاص, و بقي عمومُ الانتقال من دار الكفر ـ لمن قدر عليه ـ واجباً.

اتِّحاد الجزاء و الشرط:

و اتِّحاد الجزاء و الشَّرط ممَّا يدلُّ على المبالغة في التعظيم أو التحقير، فكأنه صلوات الله و سلامه عليه يقول: مَنْ هاجر لا يبتغي إلا وجه الله عزَّ’و جل لا أجد له جزاءً إلاّ أنْ أَكِلَه إليه سبحانه، فهو وليُّه و حسبه { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ِ}. (البقرة: 105)

و َمَنْ هاجر لا يبتغي إلاَّ دنيا يُصيبها أو شهوةً يقضيها, فحسبه ضياعاً و خِزْياً أنْ وَكَلَه الله إلى غيره, فَخَسِرَ الدنيا والآخرة . { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } (الحج: 11).

و بعدُ، فإنَّ مدار الفوز و السَّعادة على العمل, و مدار العمل على الإخلاص، فمَنْ عَجَزَ عن العمل الصالح فلن يَعْجَزَ عن النيَّة الصَّالحة، والرَّغبة الصَّادقة، و رُبَّ نيَّةٍ فاقَتْ عملاً, و رُبَّ رغبةٍ مهَّدت للخير سُـبُلاً.

 

* * * * *

 

أعلى الصفحة

 

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجلة  و محـفوظة

جارى استكمال صفحات الموقع