بحث متقدم

  الصفحة الريئيسية | ترجمته | تقديمات | الأحاديث | الوعـظ | خـطب الجمعة | مقالات  | تسجيل صوتى لحديث المغرب

كتاب من ذخائر السنة كتاب درجات الناس | أبحاثه | نقـد الكتب |  موضوعات التعـبير | الاتصال بنا | خريطة الموقع

الفصل الخامس: الرقائق و الأخلاق

الأحاديث

مقدمة الناشر 

 مقدمة الشيخ مجد 

 ترجمته 

  الوعظ والتذكير آثاره العلمية   

الأحاديث

الفهارس

من حُسْن إسلام المرء إنما الأعمال بالنيات

بركة المسلم حياً و ميتاً

كياسة المؤمن

التماس رضا الله و إن سخط الناس

عزَّة الكمال في الناس

الحبُّ الإلهي

الصحة و الفراغ

2 ـ الحبُّ الإلهي

47 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ قال: { إذا أحبَّ اللهُ عبداً نادى جبريلَ: إنَّ الله يُحبُّ فلاناً فأَحبَّه، فَيُحبُّه جبريل. فينادي جبريل في أهل السماء: إنّ الله يُحبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيحبُّه أهلُ السماء، ثم يُوضَعُ له القَبول في الأرض }.  رواه الشيخان.

مجلة الأزهر، العدد الثالث, المجلد الرابع و العشرون (1372 = 1952).

رواه البخاري في ثلاثة مواضع: في بَدء الخلق (3209), و في كتاب الأدب (6040), و في التوحيد (7485),

و رواه مسلم في كتاب البر و الصلة 4: 2030 (157). غير أنّ مسلماً انفرد بذكر الشطر المقابل, و هو: {وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي أهل السماء: إنّ الله يبغض فلاناً, فأبغضوه، ثم تُوضع له البغضاءُ في الأرض}، و اقتصر البخاري على الجملة الأولى منه فقط التي فيها المحبة. 

منزلة المحبة:

محبةُ الله لعبده و ما يَتْبعها، من ولاية الله و نصره له، و دفاعه عنه، و معاداته لِمَنْ عاداه، و مُسالمتُه لِمَنْ سالَمَه، وإكرامُه لِمَنْ أكرمه، ومنْ إعزاز السماء والأرض له، حتى لتفرحان به في حياته، وتبكيان عليه عند موته؛ هذه المحبة التي لا محبَّة فوقها، وكلُّ محبةٍ دونها, منزلةٌ ما أجملها! حقيقةٌ بأن يتنافسَ فيها المتنافسون، و يتسابقَ إليها المتسابقون، من العباد المخلصين والأبرار المقرَّبين؛ إذ كانت هي الغايةُ القُصْوى من المقامات، و الذِّروة العليا من الدرجات، و لا جَرَم أنَّها حرام على أرباب الكلام، و أصحاب الأماني والأحلام، حلالٌ لأولي العلم والنُّهى، و العمل و الخشية، من الذين جاهدوا في الله حقَّ جهاده، و تولَّوا الله حقَّ وَلايته، فاجْتباهم ربُّهم، واصْطَفاهم لمحبته، واختصَّهم برحمته: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (البقرة: 105).

أسباب محبّة الله للعبد:

غير أنه ـ سبحانه ـ و إن اختصَّ برحمته من يشاء من عباده، علَّمنا في كتابه المبين، و فيما أوحى إلى رسوله الصادق الأمين، أنَّ لهذه الدرجة الرفيعة ـ درجة محبته وولايته ـ أسباباً تدلُّ عليها، و وسائل تهدي إليها، و أمارات ترشد إلى أهلها، على تفاوت ما بينهم فيها.

و قد أمرنا الله أن نعمل و نكدح، آخذين بالوسائل و الأسباب لما قضى ـ وله الحجة البالغة ـ من الربط الإلهي الوثيق بين الأسباب ومسبَّباتها، والوسائل و غاياتها.. فمن طمع في محبَّة الله له و رضوانه عليه، دون أن يأخذَ بأسباب هذه المحبّة, ويسلك سبلها، فهو إمَّا مخدوع جاهل، أو مُبْطلٌ عنيد، يريد أن يلغي عقله، و يفسد فطرته، و يبدِّل سنّة الله في خلقه و شرعه، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 62).

و أساس حُبِّ الله لعبده و ولايته له، هو: حبُّ العبد لربه و إخلاصه له، و على قدر حبِّ العبد و إخلاصه، يكون حبُّ الله ومعونته، وتوفيقه و هدايته.

و لا يزال العبد يتدرَّج في الإخلاص و المحبَّة، حتى يكون عالماً ربانياً: لا ينام و لا يقوم، و لا يحبُّ ولا يبغض، ولا يفعل ولا يترك، ولا يتحرَّك ولا يسكن، إلا بالله ولله؛ يتَّقيه حقَّ تُقاته، و يبلغ الجهد في مرضاته، و يتوكَّل عليه حقَّ توكله، فلا يخشى أحداً غيره، ولا يرجو أحداً سواه.. وما أجدره حينئذٍ بمحبة الله له، و قُربه منه، حتى يكون أقربَ إليه من سمعه و بصره، و يده ورجله، وما ظنُّك بعبدٍ أحبَّه مولاه، فكفاه وتولاَّه، و رضيَ عنه وأرضاه؟!.

أليس مِصْداقُ ذلك ما رواه البخاري في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : {إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنتُهُ بالحرب، و ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، و بَصَرَهُ الذي يُبْصر به، و يَدَهُ التي يَبْطُش بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، وإن سَأَلني لأُعطِيَنَّه، و لَئن استعاذني لأُعيذنَّه} رواه البخاري في كتاب الرقاق ، باب التواضع 11: 340 (6502).

طريقةُ محبَّة العبد لربِّه سبحانه:

بيَّن هذا الحديث الربّاني ـ أيَّ بيانٍ ـ طريقة محبَّة العبد لربه، و وسيلته إلى قربه، و أجملَها في امتثال أوامره، واجتناب محارمه، والوقوف عند حدوده، مع تقديم الأصولِ على الفروع، و الفرائضِ على النوافل، و قديماً قال العلماء الربَّانيُّون: مَنْ شغلَه الفرض عن النفل فهو معذور، و من شغلَه النفل عن الفرض فهو مغرور. و مَثَلُ من يتقرَّب إلى الله بالنوافل مع تهاونه في الفرائض، مِن جَهَلَةِ المتصوِّفة وأمثالهم، كَمَثَل البستاني, يأتمنه سيِّدُه على بستانه، فيعمِد إلى أشجاره فيسرقها، ثم يختلس منها بعض ثمارها، فيقدِّمها هديَّة إلى سيِّده. لاجَرَمَ أنه جديرٌ برفض هديَّته علاوةً على غضب مولاه و مَقْته!

أدعياء المحبة:

أما الذين يزعُمون أنَّ محبة الله أثرٌ للعلاقة القلبية، و الصِّلة الروحيَّة بين العبد و ربِّه، و لا دخل للعمل فيها، من الزنادقة الملاحدة, ومَنْ جاراهم ـ من أرباب الفلسفة النظرية و الشَّقشقة اللِّسانية ـ فلا خطاب لنا معهم، إذْ لا أملَ لنا فيهم؛ لأنَّهم قومٌ ركبوا رؤوسهم، وأغلقوا قلوبهم، واتَّبعوا أهواءهم، فعموا و صمُّوا و ضلُّوا و أضلُّوا: {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ و َأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ و خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} (الجاثية: 23).

و قد ادَّعى محبةَ الله أقوامٌ أقلّ من هؤلاء تمرُّداً و عناداً، فشهر الله فضيحتهم و إفلاسهم، و أعلن في كتابه العزيز تكذيبهم وبراءته منهم، فقال و ـ قولُه الحق ـ : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ و َاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ O قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران31: 32).   

و قال في إبطال دعوى أهل الكتاب و إفحامهم: {و َقَالَتْ الْيَهُودُ و َالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ و َأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} (المائدة: 18).            

ثمَّ قال جلَّ شأنه في علامات أوليائه الصَّادقين، الذين أحبَّهم كما أحبوُّه، و رضيَ عنهم كما رضوا عنه، و الذين يُباهي بهم ملائكته، ويعزُّ بهم دينه، ويجعل منهم العوض، خير العوض ممَّن ارتدَّ عنه و جحده: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ و َلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ و َاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة: 54).       

من صفات المُحبِّين الصَّادقين:

هذه أربع علامات تضمَّنتها الآيتان الكريمتان، ميَّز الله بهما هؤلاء المحبين المخلصين:

الأولى: ذلَّتهم للمؤمنين, و خفض الجناح لهم و إشفاقهم عليهم، كإشفاق الوالد على ولده، أو الأخ على أخيه، أو الطبيب على مريضه، فليست الذلّة هنا ذلّة ضَعَةٍ و ضعف، و لكنها ذلَّة تواضع و عطف، و قد أمر الله الأبناء أن يُحسنوا إلى الآباء، و يخفضوا لهم جناح الذّلِّ من الرحمة، و وصف رسول الله الكَمَلَة من أمته، بأنهم في توادِّهم و تراحُمهم و تعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر و الحُمَّى (1).

الثانية: عزَّتهم على الكافرين, و عدم الخضوع لهم، فلا يتولَّونهم و لا يمالئونهم، و لا يتَّخذون منهم بِطانةً وأنصاراً، ولا يتشبَّهون بهم في شأن من شؤونهم، ممَّا يهين كرامتهم أو يضعف عزّتهم و سلطانهم {و َلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون: 8)، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (النساء: 141).           

و في معنى هاتين العلامتين ما وصف الله تعالى أصحاب نبيِّه فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29).          

الثالثة: جهادهم بأنواع الجهاد كافَّة: بأنفسهم، و أموالهم، و أيديهم، و ألسنتهم، لا يأْلون جهداً، و لا يدَّخرون وُسعاً.

و على ضروب الجهاد قام الإسلام، و بُني هذا الدين الحنيف، و عمَّ نورُ الله في الأرض، و بالجهاد سَبَق السَّابقون ممَّن لا يبلغ المجتهدون منا مُدَّ أحدهم و لا نصيفه(2).

الرابعة: صَلابتهم في الحقِّ و مضيُّهم فيه، لا يخافون لوم اللائمين، و إن بلغوا من السُّلطان و الجاه أمداً بعيداً؛ لأنهم لا يعملون رغبةً في جزاء من الناس أو ثناءً، أو رهبةً من مكروه أو بلاء، و إنما يخشون الله وحده، فيحقّون الحقَّ, و يُبطلون الباطل، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، رضيَ الناسُ أم كانوا ساخطين.

(1) اقتباس من حديث رواه البخاري ( 601)، و مسلم (2586)، و لفظه عند البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : {ترى المؤمنين في تراحمهم و توادهم و تعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحُمَّى}.

(2) المُدُّ في الأصل: رُبْع الصَّاع, و إنَّما قدَّره به, لأنه أقلّ ما كانوا يتصدَّقون به في العادة. و يروى بفتح الميم, و هو الغاية كما في (النهاية) 4 :307. والنَّصيف هو: النِّصف كما في (النهاية) أيضاً 5 :65.                    رجوع

مُقْتضى محبَّة الله سبحانه:

و تقتضي محبة الله سبحانه أن يُحبَّ العبدُ ما يحبُّه ربُّه، ويبغضَ ما يبغضه، من الأعمال و العباد جميعاً. وتلك هي العلامة الجامعة للعلامات السابقة و ما إليها، مما هو مبثوثٌ في كتاب الله تعالى، و سنّة رسوله . و ممَّا أَلِفَتْهُ العقول، و جَرَتْ عليه الفِطَر، أنَّ المُحِبَّ يُؤْثِر حبيبَه على نفسه، ثم يتحسَّس من كلِّ ما يحبُّ الحبيب فيحبه، و من كلِّ ما يبغض فيبغضه، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

أَوْلى الناس بالمحبَّة بعد الله عزَّ و جل:

و َأْوَلى الناس بالمحبَّةِ هو خاتمُ النبيِّين، صلواتُ الله وسلامه عليه و عليهم، إذْ أَخْرجَنا من الظلمات إلى النُّور بإذن ربِّه، وأَحيانا حياةً أبديَّة روحيَّة، فوق حياتنا العابرة الجسمية؛ و لذلك كان حبُّه فوقَ حُبِّ الوالدَين، بل كان رُكناً من أركان الإيمان، ودعامَةً من دعائمه، وكان شكرُه ـ باتِّباعه, و استجابةِ ندائه, و الصلاة و السلام عليه ـ فوقَ شكر الوالدين اللذين أمر الله بشكرهما مقروناً بشكره.

وتَلي محبَّتُهُ ـ صلوات الله وسلامه عليه و على إخوانه النبيِّين و المرسلين ـ مَحَبَّة أصحابه و التابعين لهم بإحسان.

و من آثار محبَّتهم: إجلالُهم و إحسانُ الظَّنِّ بهم، لحُبِّ الله و رسوله إيَّاهم، و ثنائه عليهم و مغفرته لهم.

و حَسْبُنا من دواعي الحبِّ و الإجلال، أنهم شهدوا من النور ما لم نشهد، ثمَّ حدَّثونا، و علموا من الكتاب والسنة ما لم نكن نعلم لولا أن علَّمونا، وكان فضل الله عليهم بالسَّبْق, ثم علينا بالاتِّباع عظيماً (3).

(3) بسطنا القول في فضل الصحابة رضوان الله عليهم، في الجزأين الأول و الثاني من المجلد السابع عشر، ثمَّ في كتابنا (درجات الناس) [ص35_39](طه) وانظر:حديث: خير القرون

ثمرةُ الحبِّ الإلهي:

إذا بلغ العبدُ المرتبةَ العليا في محبَّة الله له، على ما بيَّنا لك آنفاً، من مُجْمَل القول و مفصَّلِهِ، فبشِّره بما بشَّر الله به أولياءه من حبِّ الملائكة والناس لهم، و رضا الخَلْق بعد رضا الخالق عنهم؛ إلى ما يمتّعهم به سبحانه من غنى النفس، و قُرَّة العين، وطِيب الحياة، بلذَّة الحبِّ وحلاوة المُناجاة، ممَّا لو علمه ملوك الدنيا لاشتروه بملكهم, و لقاتلوا المحبين عليه.

و لا ينقص من محبَّة الوليِّ و هيبته و رضا الله و الناس عنه، ما يغصُّ به حاقد أو حاسد، أو فاسق أو منافق، فإنه لا وزن لهؤلاء في حبٍّ ولا بغضٍ، و ما نجا من بلائهم أولياءُ الرحمن في زمان أو مكان:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ} (آل عمران: 179)، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} (الأنعام: 112).

تلك عاجلة بُشرى العباد الصالحين في الدنيا، وأمَّا في الآخرة, فقد أعدَّ الله لهم ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَر، واقرؤوا إن شئتم:(4). {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة: 17).    

(4) و هو اقتباس من الحديث القدسي: {أعددت لعباديَ الصالحين مالا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت،..} رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ماجاء في صفة الجنة (3244)، و مسلم أول كتاب الجنة 4 :2174 (2824).

لمحاتٌ و لطائف:

ولا نَدَع القلم قبل أن ينبِّه إجمالاً ـ كعادته ـ على بعض ما انطوى عليه الحديث من لمحاتٍ و لطائف:

فمنها: فضل الرُّوح الأمين، والرسول الكريم جبريل عليه السلام على سائر الملائكة.

ومنها: إثباتُ حُبِّ الله و بغضه، و دعائه و ثنائه، و هي من صفاته الثابتة له جلَّ شأنه على الوجه اللائق بجلاله و جماله، نؤمن بها، دون أن نبحثَ عن كيفيَّتها و كُنْهِها، كما آمنَ الرسول صلوات الله و سلامه عليه، و كما آمن صحابته و الراسخون في العلم.

ومنها: أنَّ محبة الناس و قَبولهم ـ و لا سيما الصَّالحين منهم ـ من علامات محبة الله عزَّ و جل, و كذلك بغضهم ونفورهم، من علامات بغضه وسخطه. نعوذ بالله منه.

ومنها: ـ وهو ألطفها وأوفاها وأدقُّها ـ أنه ليس الشأن أن تُحبَّ الله، بل الشأن أن يُحبَّك الله، و لن تظفرَ بمحبَّته إلاَّ إذا اتَّبعت حبيبَهُ ظاهراً و باطناً, و استقمت على طريقته غائباً و شاهداً، لا ترضى منها بدلاً، و لا تبغي عنها حِوَلاً.

 

أعلى الصفحة

جـميع حقوق النسخ و التصميم مسجلة و محـفوظة

جارى استكمال صفحات الموقع